لم يدر في خلده ، وهو يتقلد منصبه كرئيس للجمهورية، ولا حتى فى أسوأ كوابيسه قاطبة أن تكون تلك هي نهايته! في 8 سبتمبر 1961م تمكن “جواو جولارت”، الذي كان يعرف اختصارًا بـ “جانجو”، من دحض غريمه فى الانتخابات الرئاسية، ليصبح الرئيس المدني المنتخب، الرابع والعشرين لدولة البرازيل، لكن “جولارت”، الذى لم يعرف عنه غير الخطابات الرنانة عن اليسارية والاشتراكية ، كان أبعد ما يكون عن رئيس دولة بحجم البرازيل.

 
ساءت الأحوال على كافة الأصعدة بسرعة مطردة، وبحلول النصف الثاني من عام 62 كانت الأحوال الاقتصادية قد تدهورت بشكل مريع، زاد الأحوال سوء قيام حملة إعلامية ضخمة شنها رجال السياسة والإعلام والجيش على “جولارت”: متهمين إياه بأنه يسعى إلى تحويل البرازيل نحو الشيوعية.

 

 
ونتيجة لتلك الحملة انهار تصنيف الاقتصاد البرازيلي، ونأت البنوك عن إقراض البرازيل، وانهار الريال البرازيلي، وتدهور مستوي معيشة الفرد بشكل كبير، وساهم ثلاثة من كبار رجال الإعلام والمال، وهم: “روبرتو مارينهو”، “اوكتافيو فرياس”، و”هوليو فيلهو”، الذين يملكون معًا معظم الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون في البرازيل، في حملة ضخمة لتأجيج الشعب البرازيلي ضد جولارت.
وفي 19 مارس خرج البرازيليون بدعم من الجيش في مظاهرات، تم دفعها وتحريكها بواسطة رجال الأعمال والطبقة الوسطى، وبمباركة الكنيسة، مطالبين بتدخل القوات المسلحة ضد “جولارت”، في مظاهرات عرفت بـ “المظاهرات العائلية مع الرب”.

كمحاولة فاشلة لرأب الصدع في البيت المتهدم، ألقى جولارت في مارس 1964م خطابًا؛ دعا فيه إلي إجراء إصلاحات هيكلية، وتأميم أرباح الشركات البرازيلية الكبرى لصالح الفقراء، وذهب إلى قادة الجيش طالبًا دعمهم، ظناً منه أن الجيش سوف يدعمه، بلا جدوى.

وفي 25 مارس 64 تمرد 200 ضابط من الجيش مؤيدين للرئيس جولارت، واعتصموا في قاعدة بحرية لتنفيذ مطالبهم بمناصرة إصلاحات جولارت، لم يمض الكثير من الوقت حتى نجحت المفاوضات في إخراج هؤلاء المعتصمين، ليتم القبض عليهم بتهمة العصيان، مما دفع بشعبية جولارت إلى الأرض، و زاد من نقمه الشعب البرازيلي عليه.

 

 
قيل بعدها إن ضابطًا عميلا للجيش يدعي “هوزيه لويس انسالمو دوس سانتوس” هو الذى قام بتأليب زملائه للاعتصام، وأن هذا الاعتصام كان مدبرًا من قيادة الجيش لإظهار أن البرازيل وجيشها عرضة لخطر الانقسام، وبالطبع اختفي “سانتوس” ذاته. كاستجابة سريعة لحركة الشارع، وفي 1 ابريل 1964م، تدخل العسكر بقيادة قائد الجيش “هومبرتو دي إلينكار كاستيلو برانكو” الشهير بالمارشال “برانكو” لعزل الرئيس “جواو جولارت”، بحجة أنه كان يمهد لتحويل البلاد إلى الشيوعية والزج بالبلاد في حرب أهلية، وسط تأييد شعبي عارم، وقام “برانكو” مع رئيس المحكمة الدستورية العليا بتنصيب رئيس البرلمان “رانيرى مانزيلي” رئيساً مؤقتا لمدة عام واحد كمرحلة انتقالية، لتمهيد الطريق إلى انتخابات حرة حقيقية يختار فيها الشعب من يمثله على حد تعبير “برانكو” ذاته.

بعد الانقلاب مباشرة ، كان هناك نقاش حول إذا كان ما حدث في البرازيل ثورة أم انقلاب، وبالطبع أطلق الجيش البرازيلي على ما حدث “ثورة 1964م”، فى حين أطلقت المعارضة اليسارية عليه انقلاب، وكتب أحد الصحفيين الموالين للنظام العسكري البرازيلي في إحدى الصحف قائلاً “لقد أُنقذت البرازيل بواسطة ثورة شعبية فريدة، على أيدي وطنييها المخلصين الذين عملوا في مجموعات معتدلة وملتزمة بالقانون.

 

 
غير أن المرحلة الفاصلة من الثورة حُسمت عن طريق تحرك عسكري، لقد أثبت العسكريون البرازيليون مرة أخرى أنهم حراس الأمة المؤتمنون، وحُماة الشعب المخلصون، والمدافعون عن إرادته، ولهم الكثير من الاحترام لولائهم العظيم والتزامهم بواجباتهم، وعدم ظهور ما يشير إلى رغبتهم في التشبث بالسلطة”.

 

 
لم يمر سوى أحدى عشر يوماً من الانقلاب، حتى ضرب “برانكو” بوعوده عرض الحائط، وترشح للمنصب! وفي 11 إبريل 1964م انتخب الكونجرس البرازيلي المارشال “برانكو” رئيسًا للبلاد في ظل تأييد شعبي غير مسبوق، وتعهد برانكو في خطابه للشعب بأنه لن يستمر في الحكم سوى عامين، يسلم بعدها البلاد قوية وموحدة لحاكم مدني منتخب.

بعد الانقلاب كانت التوقعات أن تقوم حرب أهلية في البرازيل حينما ينهض الفقراء الموالون للرئيس جولارت لدعم الشرعية، لدرجه أن أمريكا حركت قطعاً من سفنها بالقرب من سواحل البرازيل لدعم الجيش البرازيلي إن احتاج ذلك، لكن سوء الأحوال الاقتصادية المتردية في عهد جولارت حالت دون ذلك، فلم يتحرك هؤلاء الفقراء مطلقاً.

 

 
قامت حكومة “الثورة” (كما أطلق عليها مؤيدوها) بإلغاء تعددية الأحزاب السياسية، وسمح فقط بحزبين سياسيين موالين للنظام، هما: “تحالف التجديد الوطني” و”الحركة الديمقراطية البرازيلية”، وقسم الجنرالات وأنصارهم أنفسهم على الحزبين، ثم أعلن “برانكو” دستورا جديدا للبلاد، وبدأ بقمع الحركات الطلابية والعمالية، فلم يمر يوماً بدون إضراب أو تمرد من طلبة الجامعات.

وقوبلت الحركة الثورية بعنف فاق التصورات من النظام، الذى صار شعاره “إما أن تحب البرازيل وتعيش فيها أو تتركها” ، في ظل رضى ومباركة شعبية لعنف النظام ضد المعارضين باعتبارهم “عملاء” و”خونة” لا يحبون الوطن ويكرهون الخير لبلادهم، واعتمد النظام على فكرة تهييج المشاعر الوطنية، وانتشرت عبارات كان مصدرها اليمين البرازيلي المؤيد للنظام تقول: “إن أمن البلاد أهم من الحقوق الفردية”، و”الشعب البرازيلي ليس مؤهلاً للديمقراطية”، إلا أن الحركة الثورية كانت أقوى من الشرطة والجيش ومن شعارات اليمينين، فقابلها النظام بـ “فرق الموت”.

بدأت ظاهرة “فرق الموت” ، أو “اسكوادراو دا مورتي” بالبرتغالية، في ولاية “جوانابارا” بقيادة ضابط شرطة اسمه “ماريسكوت ماريل”، ثم انتشرت بعد ذلك في كافه أنحاء البرازيل، وغالباً كانت كل فرقة موت يقودها ضابط شرطة سابق أو خارج نطاق خدمته، ويعاونه مجموعة من حملة السلاح يسمون بالبرتغالية “جستيسيروس”، ويقومون بتنفيذ الإعدام في المعارضين السياسين وقيادات طلبة الجامعات.

وكان التنفيذ يتم باختطاف المشتبه فيه، ثم قتله بعيدا عن الأضواء، لكن لم تفلح فرق الموت في القضاء على المعارضة اليسارية في البرازيل، وتحول الطلبة من العمل العلني نحو العمل السري، وشكلوا تنظيمات للعمل تحت الأرض، وكان من المعتاد وقتها أن تترك الطلبة دراستها، وتتجه للعمل السري خوفاً من ملاحقة فرق الموت.

 
إحدى الطالبات التي حذت هذا الحذو كانت تدعى “ديلما روسيف”، وألقي القبض عليها في يناير 1970م في “ساو باولو”، وحكم عليها بالسجن ست سنوات بمحكمة عسكرية، وتم تعذيبها داخل المعتقل، لكن تم الإفراج عنها في نهاية 1972م.

أدى حكم برانكو العسكري إلى تدهور الوضع الاقتصادي بشدة، ووصل معدل التضخم عام 1984م إلى 223%، وما صاحبه من ارتفاع جنوني فى الأسعار، فاعتمد على المساعدات والقروض الأجنبية والمعونات اعتماداً كلياً، حيث تسابقت البنوك الأمريكية لإقراض البرازيل؛ كونها الآن في ذات المعسكر ضد الشيوعية، وأدت تلك القروض بعد ثلاثين عاماً إلى انهيار اقتصاد البرازيل بعد عجزها عن السداد.

بعد انتهاء مدة رئاسة الجنرال برانكو عام 1967م، تولى المنصب وزير دفاعه الأكثر منه عنفاً الجنرال “ارتور دا كوستا اي سيلفا”، كان “سيلفا” شديد الكراهية للمعارضة، لدرجة أنه هدد “برانكو” فى السابق بالانقلاب عليه لما وصفه بتسامح برانكو مع المعارضة، وبعد 4 أشهر من رحيله عن منصبه، وفي يوليو 1967م ، اصطدمت الطائرة التي يستقلها “برانكو” بالقرب من مدينه “فورتاليزا” شمال البرازيل، ولقي برانكو مصرعه.

أصدر “اي سيلفا” الرئيس الجديد “القانون المؤسسي الخامس”، وهو تشريع يبيح لرئيس البرازيل حل البرلمان في أي وقت، ووصف أنه أسوأ تعديل دستوري في تاريخ البرازيل، رحل “سيلفا” وجاء بعده جنرال آخر أكثر تطرفا، هو: الجنرال “ايميليو ميديتشي”، و خاض حرباً عنيفة ضد حركتى “ماريجيلا”، و”لاماركا” الثوريتين، وقتل كل زعمائهم، وفي حوار صحفي مع وزير المواصلات البرازيلي العقيد “ماريو أندريازا” قال: “هذه ليست ديكتاتورية عسكرية، لو كانت كذلك لما سُمح لـ “كارلوس لاسيردا” (صحفي وسياسى يساري معارض) أن يقول ما قاله، كل شيء في البرازيل حُر، ولكن تحت السيطرة”.

 

 

 

 
كان النظام يعمل جاهداً على إيهام الشعب أن البرازيل هي قائدة العالم أجمع، ففي أحد الكتب المقررة على طلبة المرحلة الثانوية في البرازيل سنة 1973م كان التالي:

“في العام العاشر من الثورة، نرى البرازيل وهي أرض شاسعة تتميز بالعظمة بين أمم أمريكا الجنوبية، وهي أرض الأمل، التي قُدر لها القوة وقيادة العالم، يشكّل سكانها البالغ عددهم 110 مليون شعبًا غربيًا موحدًا للأبد في إباء وشجاعة، نحن نشتهر بكرم الشخصية والخصال المسيحية، نحن نمتلك موارد للثروة الهائلة، حتى خريطة البرازيل تبدو كالقلب البشري، فهي قلب يضم ثروات من الموارد الطبيعية الغنية، هذه بلادي، وأنا فخور بأن أسمي نفسي برازيليًّا”.

عمد الجنرالات إلى تسويق مشروعهم الاقتصادي الذي أطلقوا عليه: “المعجزة الاقتصادية”، الذي يتلخص في بناء أكبر عدد من ملاعب كرة القدم على حساب المستشفيات والمدارس، في محاولة منهم لإلهاء الشعب عن القضايا الرئيسة.

 

 

 
ووصلت نسبة بناء الملاعب إلى المستشفيات والمدارس في الحقبة العسكرية 4 ملاعب كرة قدم لكل مدرسة أو مستشفى، وبدا واضحا أن سيطرة الجيش على البرازيل أصبحت كاملة، لكن مع نهاية عام 1973م بدأت المشاكل أمام النظام في الظهور، ووجب سداد القروض التي اقترضها العسكر، وبدأ النظام يفقد شرعيته شيئاً فشيئاً مع موت حركة المعارضة اليسارية تماماً، تلك التي اعتمد عليها النظام في شرعيته، كون وجوده ضروري للاستقرار، وضروري لمحاربه التطرف اليساري.

و ياللغرابة كان نجاح الانقلاب الكامل في القضاء على المعارضة هو في ذاته بداية انهياره؛ حيث انتفت الحاجة إليه، و مع ازدياد الديون وعجز البرازيل المتزايد عن السداد وارتفاع أسعار النفط وازدياد سخط الطبقة الوسطى المؤيد الأقوى للحكم العسكري. تولى الجنرال المتقاعد “إرنستو جيزيل” الحكم في عام 1974م، ولتخفيف السخط بدأ الجنرال “جيزيل” في تخفيف القيود، فألغى الأحكام التي أعطته سلطة حل البرلمان، وسمح للهاربين بالعودة دون محاكمة، كما خفف القيود على حرية التعبير فيما عرف بسياسة “ابيرتورا” أو الانفتاح، وفجأة فاقت الحركة الثورية من سباتها العميق، و شهدت البرازيل أول إضرابات عمالية منذ الانقلاب، وبدأ البرازيليون في النزول للشوارع في مظاهرات ازدادت وتيرتها حتى عام 1985م، وتوحدت المعارضة البرازيلية تحت شعار واحد، وهو: “الانتخابات المباشرة”.

 

 

 

ونزل البرازيليون للشوارع مطالبين بذلك علي اختلاف انتماءاتهم، و هكذا بدأ الحكم العسكري ينحسر رويداً رويداً، ووصلت رحلة الحكم العسكري في البرازيل إلى آخر محطاتها بين عامي 1985 : 1989 بعد واحد وعشرين عاماً من الحراك الديمقراطي والعمالي المعارض للنظام، وفازت المعارضة بكل انتخابات أجريت في البرازيل، بدايةً من الانتخابات البرلمانية، مرورًا بانتخابات حكام الولايات، ثم انتخابات الرئاسة في عام 1985م.

لكن النظام العسكري لم يلقَ جزاءه حتى بعد سقوطه أمام الحكم المدني، فقد أصدر العسكر قانونًا للعفو العام سنة 1979م، ليتمكنوا من تأمين أنفسهم ضد أي من أنواع للمحاسبة، الجدير بالذكر أن ضحايا العسكر في نهاية حكمهم قد وصلت إلى 434 حالة اغتيال سياسي، و210 في عداد المفقودين حتى الآن.

بداية من الحقبة الجديدة ، حققت البرازيل نموًا اقتصاديًا كبيرًا، خاصةً في عهد الرئيس “لولا دي سيلفا”، وعُزل العسكريون عن السياسة دستوريًا وشعبيًا، وشُكلت عدة لجان لتقصي الحقائق، كان هدفها حصر ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان والجرائم السياسية في فترة الحكم العسكري.

 

 

 
وفي الأول من يناير 2011م تسلمت “ديلما روسيف” الناشطة اليسارية والمعتقلة السابقة الوشاح الرئاسي من “لولا ذا سيلفا” بعد فوزها بالمنصب، وفى 2012م شكلت “روسيف” لجنة للتحقيق في جرائم القتل والتعذيب التي ارتكبت فى عصور الاستبداد، وأعلنتها مدوية “يجب ألا ننسى الأعمال الوحشية التي ارتكبت خلال 21 عامًا من الحكم الديكتاتوري”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد