طالما تصفحنا التاريخ، وطالما صفعنا من هول ما قرأنا، بالرغم من أننا لم نكن هناك، لم نعش النكبة الأندلسية، ولا النكبة الفلسطينية، حتى وإن غصنا في أعماق القضايا لم نكن لنحس بالحرقة كما عاشها المهجرون من ديارهم. جاءت حلب لتعري كل العالم المتبجح بإنسانيته وتوقظ تاريخًا نائمًا، جاءت لتعلن أنه لا التاريخ يعيد نفسه فقط، بل العالم الإسلامي يعيد أخطاءه وبفداحة أكبر.

الحضارة الغربية بكل ما ترفعه من شعارات، وما تفتخر به من قوانين عن حقوق الإنسان والأطفال وحتى الحيوان، لم نجد فيها رجلًا رشيدًا يقف في وجه المجزرة. منذ الأزل و المعادلة على هذا الحال، أكثر من مائة مليون قتيل في إبادات الهنود الحمر، ومسح لحضارات قديمة، كالأزتك والإنكا، محاكم التفتيش، احتلال للدول الأخرى، حربان عالميتان راح ضحيتهما أكثر من ستين مليونا من البشر، استعمال أسلحة كيماوية، وكأن الغرب يجسد مصاصي الدماء؛ لا يمكنه أن يقوم ويعيش إلا على أشلاء الحضارات الأخرى.

بَرْبَشْتْرُ، سقوط الأندلس، النكبة الفلسطينية، صبرا وشاتيلا، سربرينتسا، هل كنا نحتاج «التغريبة السورية» أيضًا علنا نستوعب الدرس؟ إن علمنا أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أعلنت منذ فترة أن «الحرب في سوريا هي حرب مقدسة»، هل ترانا نفكر أنها حرب صليبية بحلتها الجديدة؟ هل كان المفكر الفرنسي «رجاء جارودي» على حق حين قال «الغرب حادثة»l’Occident est accident ؟

لا أدري، و لكن ماذا يفيد الرثاء بعد الخذلان وتزاحم الأكفان؟

يومًا ما ستصير إبادة حلب كلامًا من التاريخ، قد تكون كحدث مفصلي، وقد تكون نقطة في بحر من الحوادث، ستمضي قرون وتتغير المناهج الدراسية، سيُقرأ في كتب التاريخ «نكبة حلب». و كما تشدقنا بالتحاليل عن نكبة الأندلس وبعدها فلسطين سيأتي من يسطر العبر والدروس من واقعنا، سيُشار لنا بالبنان ونوصف بالخونة، وبالتخاذل عن نصرة إخواننا، سيقول قائل: إنهم هم من خانوا بلادهم، و باعوها للأعداء، كما قيل عن فلسطين وقبلها الأندلس.

لكن مهلًا، هل سبق وأن سمعت بمذبحة بَرْبَشْتْرُ؟ هل تعرف أين كانت أو ماذا جرى فيها؟ لنقفز إذن لآلة الزمن ولنرجع قرونًا إلى الوراء؛ علنا نلتمس قبسًا من أمل، ذلك أن التاريخ لا يسقط بالتقادم وحق المظلوم راجع إليه ولو بعد حين.

بَرْبَشْتْرُ(Barbastro)، تلك المدينة الصغيرة التي تقع على فرع صغير من أفرع نهر إبره (Ebre)، على بعد 60 كم من شمال شرق سرقسطة، كانت من أمنع الحصون الأندلسية، ذات موقع استراتيجي هام لقربها من الحدود مع الممالك النصرانية في الشمال؛ قشتالة وقطالونا.

لذا فقد كانت في جهاد دائم. تناسختها قرون المسلمين من عهد الفتوح الإسلامية بجزيرة الأندلس، فرسخ فيها الإيمان وتدورس القرآن، دار الزمان وانفرط عقد الأندلس؛ ليصير حبات متناثرة سميت بدويلات ملوك الطوائف، كانت مملكة سرقسطة من أعظم ممالك الطوائف، وحدث أن توفي حاكمها «سليمان بن هود» الملقب بـ«المستعين بالله» سنة (1047م – 438هـ)، فتوزعت مملكته إلى عدة دويلات، واستقل أخوه «يوسف بن سليمان» بمنطقة بَرْبَشْتْرُ التابعة لها.

ما قبل المذبحة

احتلت جماعة من النورمانديين الوثنيين، الذين دخلوا النصرانية، منطقة في شمال غربي فرنسا، سكنوها في بداية القرن العاشر الميلادي وحملت اسمهم «نورماندي»(Normandy) ، واستقروا بها بعد موافقة ملك فرنسا «شارل الثالث» في 911م- 299هـ.

في عام 1064م- 456 هـ، احتشدت القوات النورماندية والفرنسية في حملة كبيرة قادها «جيوم دي مونري» (Guillaume de Montreuil)، الذي كان يعد من أكابر فرسان عصره، وقد وفد قبل ذلك على إيطاليا في أواسط القرن الحادي عشر، و خدم الكرسي الرسولي؛ حتى أصبح قائد الجيوش الرومانية والبابوية. أما بواعث قيادته لهذه الحملة، فقد بدت من جميع الظروف أنها كانت من الحملات الناهبة التي تستتر بالصفة الصليبية وهي تقصد العبث والنكاية والغنم والسبي في أراضي المسلمين أينما كانت، وتشير مصادر إلى أن الذي دفع لإعدادها وأشار على النورمان بحرب المسلمين هو البابا «إسكندر الثاني» (Alexander II). والجدير بالذكر أن المؤرخ الإسباني «رامون مننديث بيدال» وصف هذه الحملة بأنها «حملة صليبية سبقت الحملات الصليبية».

بَرْبَشْتْرُ المأساة

سارت الحملة إلى جنوب فرنسا متجهة نحو الأندلس، حاصروا أولًا مدينة وشقة Huesca – إحدى مدن مملكة سرقسطة والثغر الأعلى – ولما فشلوا في اقتحامها توجهوا إلى مدينة بَرْبَشْتْرُ التي كانت تعد من القواعد المنيعة في الأندلس، فضربوا الحصار حولها، وقدر عدد أفراد الحملة بأربعين ألفًا أو يزيدون، واستمر الحصار أربعين يومًا والمسلمون صامدون داخل مدينتهم الحصينة، وكانت حاميتها تخرج من آن لآخر، تخوض مع الأعداء معارك شديدة، ثم ترتد إلى الداخل. أرسل المظفر بالله إلى أخيه المقتدر بالله يطلب منه العون و المدد، لكن الأخير رفض إنجاد المدينة، و ترك المسلمين تحت الحصار لمصيرهم، أرسل المظفر بعدها استغاثات لكل الدويلات، لكن لم يتحرك أحد.

لما اشتد الضيق بالمدينة، وقع بين أهلها هرج وتنازع حول القوت لقلته، وعلم بذلك النورمان؛ فشددوا قبضتهم وضاعفوا جهودهم؛ حتى استطاعوا اقتحام المدينة الخارجية بعد قتال عنيف، فاحتلها منهم نحو خمسة آلاف، حينها تراجع المسلمون للقصبة والمدينة الداخلية وتحصنوا هناك؛ مصممين على الدفاع عن أنفسهم لآخر لحظة، إلا أنه وقع ما لم يكن في الحسبان، حين اكتشف النورمان سر تزود المسلمين بالماء من خلال سرب داخلي تحت الأرض متصل بالنهر، هناك روايات تقول: إنه دلهم عليه خائن؛ فهدموه وألقوا فيه صخرة عظيمة قطعت الماء عن المحاصرين. مرت فترة واشتد بهم العطش، وصار الموت يلوح في الأفق؛ حتى يئس أهل بَرْبَشْتْرُ من الحياة، فعرضوا تسليم المدينة شرط أن يؤمنوا في أنفسهم و أولادهم، وأن يخرجوا من المدينة دون مال، فوافق النورمانديون على ذلك. و في رواية أخرى أن النورمان رفضوا التسليم واضطر المسلمون إلى مدافعتهم حتى اقتحموا عليهم المدينة، وعلى أية حال فقد دخل النورمان المدينة الباسلة دخول الوحوش المفترسة، واستباحوا كل من فيها وما فيها، ولم يطلقوا منهم غير قائدهم ابن الطويل، وقاضيهم ابن عيسى، وقدر عدد القتلى والأسرى بين أربعين ومائة ألف!

ثم أعطى قائد الحملة الأمان للأهالي، لكنه لما رأى كثرتهم سرعان ما أمر جنده بالتقليص من عددهم حدًا بالسيوف؛ خشية من أن تأخذ الجموع الحمية؛ فيهبوا لاستنقاذ أنفسهم، فأطيح أرضًا بستة آلاف من الرؤوس! وهلك عدد كبير من النساء حينما تطارحن على الماء لإرواء ظمئهن، فكبسهم العدو للأذقان موتًا، كما مات خلال الزحام كثير من الشيوخ والأطفال، غير أن هذا لم يكن أشنع ما نزل بالمسلمين في بَرْبَشْتْرُ، بل كانت تنتظرهم فظائع يشيب لها الولدان وكان الخطب «أعظم من أن يوصف أو يتقصى» كما يقول ابن حيان.

بالغ المنتصرون في النكاية بأهل المدينة، لدرجة تبرز خسة أخلاق أولئك المحاربين ودناءتهم، فبعد أن برز جميع من خرج بفناء بابها، نودي فيهم أن يرجع كل ذي دار إلى داره بأهله، وما يكادون يستقرون بالدور مع عيالهم وذرياتهم حتى اقتسمهم العدو! فكل من صارت في حصته دار حازها بما تحتويه من أهل وولد ومال، فاستولوا على أموال كثيرة ولم يتوانوا عن ارتكاب أبشع الجرائم من قتل وهتك للأعراض، فكانوا يفتضون البكر بحضرة أبيها، والثيب بعين زوجها وأهلها، و من لم يرض منهم أن يفعل ذلك في خادم أو ذات مهنة أعطاهن غلمانه يعيثون فيهن. ولما عزم ملك الروم أن يعود لبلده، تخير من بنات المسلمين الجواري الأبكار والثيبات ذوات الجمال، ومن صبيانهم الحسان ألوفا عدة حملهم معه ليهديهم إلى من فوقه، وترك من رابطة خيله ببربشتر ألفا وخمسمائة، ومن الرجال ألفين ، و يضيف الحميري صاحب الروض المعطار؛ إنه قد أهدى من أبكار الجواري المسلمين وأهل الحسن منهن إلى صاحب قسطنطينية خمسة آلاف.

بالرغم من أن بعض المؤرخين شككوا في أرقام ابن حيان والروايات الأخرى ووصفوها بأنها مبالغ فيها، إلا أن هذا لا ينفي بشاعة وفظاعة ما حدث.

ما بعد المجزرة

قلنا سالفًا إن ألفا وخمسمائة من الخيل، وألفين من الرجال ظلوا في بربشتر، استوطنها هؤلاء بعد استقدام الكثير من أهلهم إليها وأقربائهم، غير أن الأمر لم يدم طويلًا، فقد بلغت أصداء المجزرة الأندلس بأسرها، وكان لها وقع شديد في النفوس ورجفة في القلوب من تلك الفظائع، وكان ممن نفذ الحديث عن المأساة إلى عمقه المقتدر بن هود الذي تأخر عن نجدتها وحمل وزرًا ثقيلًا، فنادى بالنفير العام في الأندلس وأعلن الجهاد لتحرير بربشتر وإخراسا للأصوات التي تلومه على خذلانه.

اجتمع عدد كبير من المتطوعين والرماة تحت راية ابن هود، كما أرسل له المعتضد بن عباد خمسمائة فارس من إشبيلية، ساروا جميعا نحو المدينة المكلومة سنة 1065م – 57هـ ، وحاصروها مع تمنع النصارى داخلها، حتى استطاع المسلمون إحداث ثغرة كبيرة في أحد الأسوار، فاقتحموا المدينة ودارت معركة شرسة تشرذم فيها النصارى وقتل أغلبهم، كما أسر من كان في المدينة من أهلهم وأبنائهم، وكانت خسائر المسلمين يسيرة والغنائم كثيرة، فقد قيل إنه حمل إلى سرقسطة من سبايا النصارى نحو خمسة آلاف، إضافة إلى ألف فرس وعدة وسلاح وأموال كثيرة.

وهكذا عادت بربشتر إلى حضن الأندلس في الثامن من جمادى الأولى سنة 458هـ، بعد تسعة أشهر من احتلالها.

ما بين الماضي والحاضر

ما دخل كل هذا بحلب؟ ما دخل كل هذا الكلام بواقعنا؟ الجواب كله اختزله ابن حيان في قوله وهو يلوم إهمال الناس والحكام الأخذ بالشريعة؛ مما جرهم إلى حالة الفرقة التي أذهبت قوتهم «قد غربل زماننا هذا أهليه أشد غربلة، فسفسف أخلاقهم، واجتث أعراقهم، وسفه أحلامهم، فاحتوى عليهم الجهل، وأركستهم الذنوب، ووصمتهم العيوب، فليسوا في سبيل الرشد بأتقياء، ولا على معاني الغي بأقوياء، نَشْءٌ من الناس هامل، يعللون نفوسهم بالباطل، مِن أدَل الدلائل على فرط جهلهم بشأنهم، اغترارهم بزمانهم، وبعدهم عن طاعة خالقهم، وذهولهم عن الناظر في عاقبة أمرهم، وغفلتهم عن سد ثغرهم. حتى لظل عدوهم الساعي لإطفاء نورهم يتبجح عراص ديارهم، ويستقري بسائط بقاعهم، يقطع كل يوم طرفًا منهم، ويبيد أمة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا صُمُوتٌ عن ذكرهم، لُهاةٌ عن بثهم، ما إن يسمع عندنا في مسجد من مساجدنا ومحفل من محافلنا مذَكِّرٌ بهم أو داع لهم، فضلًا عن نافر إليهم أو مُواسِ لهم، حتى كأن ليسوا منا، أو كأن فتقهم ليس بُمفضٍ إلينا، قد بخلنا عليهم بالدعاء، بخلنا بالغَناء، عجائب مغربة فاتت التقدير، وعرضت للتغيير، فلله عاقبة الأمور وإليه المصير”.

هذا ما كان من تعقيب ابن حيان على مأساة بربشتر، ولا أرى جدوى من الإسهاب بعد كلامه الذي يختزل الواقع. وكأنه قيل لعصرنا وزماننا. دروس التاريخ لا تتكرر فحسب، بل نحن الذين لا نعتبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

دولة الإسلام في الأندلس، عبد الله عنان 2/279
نفح الطيب للمقري 4/452- 453
عرض التعليقات
تحميل المزيد