أصبح فريق برشلونة لكرة القدم قبلة الكثير من شباب المسلمين ينفقون الساعات والساعات لمتابعة مباريات الفريق وأخبار اللاعبين وأنباء الصفقات، والعجيب أن تلك الغيبوبة الفكرية زحفت حتى وصلت إلى صفوف السلفيين فأضحى بعضهم يتابع تلك المباريات بحماسة شديدة وكأنه يتابع معركة تحرير القدس لا مبارة كرة قدم لفريق مدينة كانت يومًا ما إسلامية وظلت على تلك الحال قرون طويلة ثم انتزعها الصليبيين وهجروا أهلها ومارسوا ضدهم أبشع جرائم التطهير العرقي فى التاريخ.

 

إن ما نحياه اليوم أزمة فكرية فى المقام الأول فبعد عشرات المحاولات الفاشلة والمعارك الخاسرة  أيقن الغرب أنه لا سبيل لتحقيق هزيمة عسكرية بالمسلمين مهما كان فارق القوة طالما ظلوا متمسكين بدينهم متذكرين لتاريخهم المجيد،  فهم لم ينسوا بعد كيف اقتحم طارق بن زياد أرض الأندلس عام 710 م بذلك الجيش الصغير الذى لم يتعد سبعة آلاف مقاتل فهزم الجيش الجنوبي للنصارى رغم فارق العدد والبون الشاسع فى الإمكانيات حتى أن قائد الجيش الجنوبي “تُدمير” أرسل رسالة استغاثة إلى “لذريق” ملك النصارى فى الأندلس وأقوى ملوك أوروبا فى ذلك الوقت قائلا له ” أدركنا يا لذريق، فإنه قد نزل علينا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء؟!” تأمل الفرق بين ذلك الجيل الرباني الذي يظن أعدائه أنه ليس من أهل الأرض.

 

بل هم ملائكة من أهل السماء، وبين جيل آخر تعلقت قلوبهم وعقولهم بتلك المستديرة على الرغم من جروح الأمة التي تنزف بلا انقطاع، ولما وصلت الرسالة إلى “لذريق” انتابه غضب شديد  وجمع جيش ضخم بلغ مائة ألف مقاتل من أفضل مقاتلي أوروبا وأتى ببغال عليها حبال كثيرة ليقيد بها المسلمين عقب إنتهاء المعركة -السهلة فى نظره- ليأخذهم كعبيد فى قصوره وضيعاته – إنه نفس الصلف والغرور الغربى المعتاد – وبدأت المعركة، معركة وادي لكة، بين جيش المسلمين وقوامه إثنى عشر ألف مقاتل – بعد أن وصله مدد من خمسة آلاف مقاتل – وجيش النصارى الذي يتألف من مائة ألف مدججين بالأسلحة وانطلقت صيحات الإيمان من حناجر المسلمين ودارت رحى المعركة وسحق جيش النصارى ومني بهزيمة ساحقة وفر لذريق هاربا ثم توارى فى مزبلة التاريخ.

 

وبعد العديد من المعارك والانتصارات انضم القائد الرباني موسى بن النصير بجيش آخر لطارق بن زياد لتحقيق المزيد والمزيد من الانتصارات وليأمن ظهر جيش طارق ثم ألتقالقتا البطلان واتحد الجيشان وتوجها إلى برشلونة ففتحاها عام 712 م وعرضا على أهلها الإسلام فأعجب أهلها بالإسلام ودخلوا فيه أفواجا كحال باقى مدن الأندلس وظلت الأندلس دولة إسلامية عظيمة تنشر سماحة الإسلام وتمد العالم بأذكى العلماء وأصلب المجاهدين وأعلم الفقهاء ثم بعد المسلمين عن دينهم مصدر قوتهم فسقطت مدن الأندلس مدينة تلو الأخرى  بعد أن ظلت ثمانية قرون يعلوها  لواء الإسلام، وظل المسلمون يأملون أنفسهم باستعادتها يومًا ما، إلى أن ذهبت أجيال العظماء أدراج الرياح بعد أن  فطن النصارى لحتمية تغيير فكر الشباب المسلم ونجحوا في ذلك، فبدلا عن أن تكون برشلونة مدينة إسلامية تحت الأسر يتطلع الشباب لذلك اليوم الذى تعود فيه إلى حاضنة الإسلام – بدلا عن ذلك – تصبح برشلونة هي ذلك الفريق الكتالوني البراق الذى تشرأب أعناق المسلمبن لمتابعة مبارياته وترقص قلوبهم طربا لإنتصاراته، وبدلا من أن يصبح البطلان طارق بن زياد وموسى بنى النصير هم أبرز أعلام تلك المدينة فى عقول شباب المسلمين أصبح ميسي ورفاقه هم قرة أعين شباب المسلمين.

 

إنها فى المقام الأول معركة وعي وانتماء فكما قال أحد القادة الفرنسيين الذين احتلوا الجزائر ” إذا أردنا الانتصار فلابد أن نقطع الصلة بين المسلمين وبين القرآن”، وهذا للأسف ما حدث فلقد نجحوا فى قطع الصلة بين شباب المسلمين وبين مصادر قوتهم وعزتهم،شوهوا تاريخنا، غيروا ثوابتنا، هاجموا قرآننا وسنتنا بذيولهم الذين تربوا في محاضنهم، وعندئذ أضحى الاحتلال العسكرى لا قيمة له فلقد تم احتلال العقول والقلوب، ولأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم تمرض ولكن لا تموت فلقد نهض بعض رجالها لإستعادة الماضى العظيم وربط المجتمع بتراثه ومصدر عزته فاستشاط أزلام الغرب من العلمانين والليبراليين غضبا لذلك وبدأ فصل جديد من الصراع المستمر بين أتباع الحق وذيول الباطل، ترى هل يعود الشباب إلى أمجاد ماضيهم العظيم حيث الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، حيث القوة العسكرية والقوة العلمية، حيث دولة العدل والحق، حيث صيحات طارق وموسى، ومحبرة ابن حنبل وأقلام ابن تيمية، أم أن حناجرهم ستظل تعلو بهتافات تشجيع تلتهم عقولهم وقلوبهم  وتمحو آثار أجدادهم العظماء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد