«ريمونتادا» بالـتأكيد قد سمعتم بهذه الكلمة بعد عودة فريق نادي برشلونة الإسباني من هزيمته ذهابًا بنتيجة 4 أهداف لصفر لفوز ساحق وتاريخي بستة أهداف مقابل هدف واحد ليحقق أمرًا كان يوصف بالمستحيل قبل المباراة لكن الفريق الإسباني أثبت أنه لا مستحيل في هذا العالم وليس فقط في كرة القدم.

«ريمونتادا» هي كلمة إسبانية تعني العودة والتعافي ويرجع أصل انتشارها وبداية استخدامها إلى بداية القرن السادس عشر إبان مطالبات أقاليم الباسك وكاتلونيا بالاستقلال عن الحكم الملكي الإسباني حينها فبدأ الثوار يستخدمون هذه الكلمة كلازمة لثورتهم وحركتهم الاستقلالية، الجمهور العربي متابع جيد للكرة الإسبانية وخصوصًا فريق العاصمة مدريد ونادي برشلونة ويصنف الجمهور العربي كأحد أشد المتعصبين لفرقهم والأكثر حماسًا وتأثرًا بنتائج أي منهم.

وبعيدًا عن عالم الساحرة المستديرة، دعونا نأخذ مما حققته برشلونة هذه الكلمة فقط والتي استشفها الكتلان أصلًا من حدث ثوري لا علاقة له بالرياضة ليجعلوا منها ترنيمة يعزفون عليها أبرز أمجادهم وأحلامهم، دعونا نحن العالم العربي نفكر جديًا في ريمونتادا خاصة بنا وبعودة وتعافٍ لأمجادنا السابقة والتي بالمناسبة كان للإسبان نصيب منها ولكم في الأندلس خير مثال، بدلًا من أن نكون مشجعين فقط ونردد تلك الكلمة التي أراهن وبكل ثقة على أن نصف من استخدمها من الجمهور العربي غير مدرك لما تعنيه حتى لو أدرك فلمَ لا يبحث عن عودتنا نحن.

نحن بحاجة أولًا إلى ريمانتودا لعقولنا وتفكيرنا لنبدأ باستعادة العزة والكرامة والحضارة التي نتغنى بها فقط ونريد ريمونتادا للاجئي فلسطين وسوريا وريمونتادا لليمن ومصر وتونس وليبيا نريد جميعًا مجد العرب السابق، والذي سوف يتحقق بتنقية عقولنا وفتح آفاق للتفكير فمنذ أن أهملنا العقل وتركنا الأمر للمعتقدات والتقاليد الموروثة أصبحنا ذيل الأمم، ما حققه برشلونة من إنجاز رياضي علينا أخذ جوهره لكي نستنسخ منه إنجازًا في كافة المجالات أنا هنا لا أمجد ما قام به برشلونة فلو كان أي أحد غيره قام بمثل هذا الشيء كنت سأكتب وأدعو لنفس الكلام.

وأنا أكتب هذا النص وإذ أستعيد مشهدًا شاهدته في غزة حينما كنت أتجول في مينائها البحري حينما وجدت سيدة أوروبية تبدو من ملامحها بعمر الخمسين تقريبًا جالسة تقرأ كتابًا وسط المئات من العرب الذين يلتقطون «السيلفي» بأجهزتهم المحمولة، هذا المشهد الذي اختصر لي الفرق بين عقولنا وعقول الغرب وأدركت فعلًا حجم المأساة التي نعيشها وكم نحن بحاجة لعودة تبدأ من العقل لنستعيد حضارة مفقودة، ولأن الشعوب العربية لا تعترف بقيمة النقد، بل لا تعرفه،
إن النقد في تقديرها كائن غريب كريه، إنه غزو خارجي أو مؤامرة خارجية ولا يرغبون حتى في تجربته.

بصفتي عربيًا لا يحق لي إنكار عبقرية أينشتاين ونظرياته في الفيزياء لكونه يهوديًا، وبصفتي مسلمًا لا يحق لي إنكار حكمة عمر بن الخطاب وفصاحته قبل إسلامه لكونه كان مُشركًا، فالعديد من العظماء تركوا إرثًا عظيمًا للبشرية لا يقدر بثمن، أسماء ما زالت محفورة في عقل كل من استفاد منها إلى يوم الدين، فالإبداع العقلي لا علاقة له بالدين، ولا يجوز تسييسه والنظر إليه بعيون عمياء، نحن المسلمين نتمنى مثلًا لو كان كاسترو مسلمًا أو كان جيفارا وهو يعبر أمريكا اللاتينية بدراجته المهترئة يدعو إلى الواحد الأحد، وبايعت تشافيز خليفة لو كان يوحد الله، ولن أحتقر الخميني لكونه جاء بثورة لم يستطع العرب صنعها، ولكنّا ننظر إليهم وقد أصابنا العجز وبلغهم النجاح أيما بلاغ، أصابنا الوهن وعشقنا الانبطاح وهم بلغوا من العمر عتيًّا وما زالوا يرفضون الخنوع، وماتوا واقفين، أنا لا أمجد اليسار ولا الإلحاد ولا أحب لحية كاسترو ولا عمامة الخميني ولا أعشق ابنة جيفارا ولا حتى أسنان تشافيز! كل هؤلاء صنعوا «الريمونتادا» فمتى نصنعها نحن؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد