تفعل السياسة كل شيء، إلا توحيد الأوطان أو أن تؤلف بين الشعوب، لأن هدفها الأسمى هو تحقيق المصلحة، سواء كانت فردية أو محصورة في نطاق فئة أو نخبة، فكانت السياسة السبب المباشر في تشريد أسر، وتخريب بيوت، وإبعاد الفرد عن موطنه، والابن عن والديه، والحبيب عن حبيبته. فاستحقت عن جدارة لقب مخربة الأوطان ومشعلة الفتن.

لم يكن الأدباء والفنانون استثناء لهذه القاعدة، بل يمكن القول أنهم أول من اكتووا بنار السياسة واحترقوا بلهيبها، بل ودفعوا أرواحهم ثمنًا لتصفية حسابات بغيضة، نشأت لتضارب مصالح بين أصحاب النفوذ، أو تمخضت دفاعًا على أفكار ومعتقدات دينية أو إثنية.

وكان من بين من تجرعوا كأس المرارة من تبعات السياسة اللعينة، أفراد أسرة البرغوثي الصغيرة، المؤلفة من الشاعر المعروف مريد البرغوثي، والروائية القديرة رضوى عاشور صاحبة «ثلاثية غرناطة»، والابن البار الشاعر الفذ تميم البرغوثي.

هذه العائلة المنحدرة من أب فلسطيني متشرب بالقضية الفلسطينية، وأم مصرية غيورة على العروبة، وهبت نفسها لخدمة الأدب والاشتغال به، فكانوا يجتمعون على الحرف ويفترقون عليه، يغوصون في عوالم القراءة، وينهلون من فنون الأدب والثقافة، لا يخلو مجلسهم المقدس من حوارات فكرية، أو نبش في إنتاجاتهم الأدبية الحديثة، فيُدلي كلّ منهم بدلوه، وربما يُبدي انتقاده من فقرة أو فصل في قصيدة أو رواية، وكل هذا بتجرّد تام وحرية وموضوعية.

فسطّر مريد البرغوثي دواوينه الشعرية بدءًا من «الطوفان وإعادة التكوين»، نهاية بديوانه «استيقِظ كي تحلُم»، وخط في النثر كتابه المعروف «رأيت رام الله» 1997، وكتاب «وُلِدْتُ هناك، وُلِدْتُ هنا» 2009.

ونسجت رضوى عاشور رواياتها العميقة بدءًا من «حَجر دافئ»، نهاية بـ«الطنطورية»، وأتحفنا تميم البرغوثي بقصائده الحماسية المفعمة بالتحرر والانتماء، كديوانه المشهور: «في القدس».

دافع مريد البرغوثي عن القضية الفلسطينية في قصائده الشعرية، غير آبه لفواهات السلاح المصوبة نحو رأسه، وكيف لا وهو الصديق المقرب لغسان كنفاني وناجي العلي المقاومين العظيمين بسلاح القلم، إذ خلّف رحيلهما في نفسه أثرًا كبيرًا وصفه بإسهاب في كتابه «رأيت رام الله».

مُنع من دخول رام الله فأُدرج اسمه ضمن قوافل اللاجئين الذين فُصلت قلوبهم عن وطنهم الأم، ثم أُبعد عن مصر، بعد أن انتقد بشدة زيارة أنور السادات لإسرائيل، وتوقيع اتفاقية أوسلو، وظل بعيدًا عن زوجته وولده قرابة 17 عامًا، قضى تسع سنوات منها لا يدخل مصر إلا متخفيًا بواسطة، اعتبر مريد هذا الإجراء وكأنه طرد صريح إلى الشارع، فكتب ديوانه الشهير «قصائد الرصيف».

كان تميم البرغوثي بمثابة تجربة الوصل المفقود التي أثمرت قصيدة جميلة عذبة، عُنونت باسمه، إلا أن جرح الفراق أبى إلا أن يزيد اتساعًا عندما رُحّل تميم من مصر بعد مشاركته في مظاهرة طلابية ضد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.

قال مريد البرغوثي في حوار معه: «نحن لم نُرض الأنظمة التي عشنا في جغرافيتها، وعلى هذا الأساس كان التنغيص والترحيل والسجن هو الرد المناسب لهذا الرفض».

تعرّف مريد البرغوثي على رضوى عاشور بعد تخرجهما معا من الكلية عام 1967 في مصر، وهي الفترة التي وصمت التاريخ العربي بوصمة عار قاسية، بعد الهزيمة المرة من إسرائيل، لتنطلق الأقلام والأفكار محاولة الخروج من شعور الانكسار، وتعميق النظرة النقدية للواقع العربي المعاش من مختلف الزوايا.

كتب تميم البرغوثي باللغة العربية الفصحى وبالعامية المصرية، وظل ارتباطه بمصر وثيقًا رغم إبعاده عنها، فتارة يعتبرها المخلص الوحيد للقضية الفلسطينية من قبضة الاحتلال، وتارة أخرى يُخضعها للنقد والعتاب كونها بعيدة كل البعد عن تحقيق الأماني والتطلعات، يقول في قصيدة «مش عارف»:

يا مصر يا كل ضد وضد مجتمعين
يا قلعة السجن يا قلعة صلاح الدين
أنا بقولك وأهلي ع الكلام شاهدين
لو كنت حرة ما كناش نبقى محتلين
أصل المحبة بسيطة ومصر تركيبة
ومصر حلوة ومُرَّة وشرحة وكئيبة
دا نا اختصر منصب الشمس وأقول شمعة
ولا اختصر مصر وانده مصر يا حبيبة
يا أهل مصر اسمعوني واسمعو الباقيين
إن كنت أنا رحلوني كلنا راحلين

رغم كل شيء، تكتب من أجل أن يفهم الآخرون، ويستيقظ النائمون، ويتراجع الظالمون، تكتب من أجل الأرض والهواء والسلب والحرمان، تكتب لنفسها المشردة، هذه هي أسرة البرغوثي الصغيرة والكبيرة في عطائها وأدبها، هي مرآة، تعكس صرخات المظلومين في الوطن العربي، وفي العالم أجمع، بلغة شعرية ونثرية واصلة، تتداولها جميع الألسنة فتتذوّق معانيها السامية، لأنها تُلقي شعرًا يخصّهم، وتروي حكايات تعنيهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد