لا سبيل أمام سكان قطاع غزة للتواصل مع العالم الخارجي سوى معبر رفح البري، الذي تترنح بين فتحه وإقفاله السلطات المصرية، وهناك ممر آخر يطلق عليها (معبر أيرز) لا يستطيع أحد العبور عنه، إلا بعد تنسيق مع السلطات الاحتلال وتجاوز العمر المحدد ما يقارب 50 عامًا للرجال و 45 عامًا للنساء، وهو أيضًا مفتوح على مدار الساعة للمؤسسات الدولية وللبعثات وحاملي بطاقة vip، لكن معبر رفح البري فهو للبسطاء الذين يتلقمون العلقم من سياسات حكامهم وتصفية الحسابات بينهم، بعد اجتياز الحاجز الحدودي مع المصر والانتقال للصالة المصرية التي يتساوى فيها الفلسطيني مع الفلسطيني في النوم على أرض الصالة حتى يتم استيفاء أرواق الدخول إلى مصر، هؤلاء البسطاء من الأشخاص المحظوظين، حالفهم الحظ وجاء موعد سفرهم، المسافة بين معبر رفح والقاهرة تحتاج قرابة 12 ساعة في الباص، لكن تعادل السفر على ظهر دابة في عصور الهجرة، في الطريق يمر الفلسطينيون فاقدو المواطنة (الغزاويون) على ما يقارب عشرين حاجزًا للجيش والحاجز يبعد عن الحاجز الآخر قرابة ثلاث دقائق، وفي كل مرة يتم تفتيش المتعة والعبث بالمحتويات الخاصة لدواعي أمنية، خلال تجربتي في السفر أجبرتني الحاجة للخروج من الباص، فجأة سمعت وشعرت بإطلاق النار تجاهي من حواجز الجيش المصري!

ذهبت مسرعًا إلى الباص مرة أخرى، وسلكنا الطريق إلى الأسوأ إلى ما يعرف بالحاجز المصري الريسة، قبل أيام ذكر الكاتب الفلسطيني أكرم عطا الله باستفاضة معاناة الوصول إلى القاهرة، وكم هي مؤلمة للفلسطيني أن يفقد كرامته على الحواجز المصرية. بسبب حالة التشتت جراء الاحتلال والسياسات الحاكمة.

أما هنا سنتحدث عن طريق العودة إلى غزة

دخلت أوكرانيا في 22/12/2016 وفي الساعات الأولى في غرفة التحقيق داخل المطار تم ترحيل شاب من غزة بسبب مخالفته للقانون، لكن كيف سيعود والمعبر قد تم إقفاله؟ وأين سيذهب الآن؟ سيبقى أسيرًا داخل المطارات، لن تستقبله تركيا، ولا حتى مصر، وسيبقى على هذه الحال إلى أن يتم فتح المعبر مرة أخرى، بعد ذلك بدأت بالاحتكاك مع الفئة التي ترغب بالعودة إلى غزة، وهم الطلبة، بالرغم من جحيمها، إلا أنها المنشئ الذي لا غنى عنه، سألت البعض منهم كيف يسافر أصحاب الجنسيات الأخرى؟ فرد الجميع: تذكرة السفر لأي طلب من البلدان الأخرى لا تتجاوز قيمتها المادية 200 دولار، ويذهب في نفس اليوم ويعود للحاجة في اليوم التالي، وفي العطل الرسمية والإجازة الصيفية يعودون إلى بلدانهم، إلا نحن؛ نبقى داخل سكن الطلبة لا نستطيع العودة.

فالطريق إلى غزة في حسبان كل طلب، دخول مصر يحتاج في بعض الأحيان إلى تأشيرة، ويتم إصدارها بعد 40 يوم من الطلب واستيفاء الأوراق المطلوبة، وبعدها يتم متابعة أخبار فتح معبر رفح، وربما لا تتناسق التأشيرة مع مواعيد فتح المعبر، وإذا توافقت وسافر الشخص العادي أو الطلب يذهب إلى الترانزيت في مطار إسطنبول، ومن ثم إلى مطار القاهرة، ويتم احتجاز جواز سفره، حتى يتم ترحيله إلى الصالة المصرية، وفي بعض الأحيان يطلب الفلسطيني الترحيل بمعنى معاناة أخف من معاناة الذهاب بنفسه لملاقاة جحيم الحواجز، يتم بعدها الانتقال بين المدن حتى نصل إلى سينا، وهناك يتعامل الجيش مع الفلسطيني عن أنه داخل إلى سينا، وليس خارجًا منها، يزداد الأمر سوءً، يتم التفتيش والتنكيل بالمحتويات على أقصى الدراجات، حتى مصادرة أهم المقتنيات والهدايا بحجة الدواعي الأمنية في سينا، يمر أيضًا على ما يقارب 20 حاجزًا في كل حاجز يتم التفتيش، والانصياع للأوامر العسكرية المجحفة بغرض الوصول إلى غزة، هذ ما يتم حسبانه في فكرة العودة، الطريق إلى غزة كيف؟

بعض الطلبة هنا، وبعد الانتهاء من الدراسة، وانتهاء إقامته كطالب يُرسب نفسه في بعض المواد، أو يكرر السنة التحضيرية مرة أخرى حتى لا يعود إلى غزة، ليس السبب في ضيق حالها والمعيشة فقط، بل أيضًا طريق العودة كيف؟ شاب توفيت والدته، ولم يستطع العودة بسبب المعبر، وشاب ضاق به الحال، واحتاجه والده ولم يستطع العودة، (يذكر هنا أن الطلبة لا يحق لهم العمل وفق القانون طالما يحمل إقامة طالب)، على الجانب الآخر من أهالي الضفة، وأراضي ال48 المحتلة، فهم يحضرون أمتعتهم كل إجازة صيفية، أو في حالة الضرورة، أو لنزهة للسفر إلى ذويهم عن طريق مطار الملكة عليا ومعبر الكرامة، أو عبر مطار اللد، ولا يتجاوز سفرهم يوم واحد فقط، وقطع تذكرة بما يعادل 200 دولار، والسفر والعودة، خلال السنة المنتهية 2016 بلعت عدد أيام فتح المعبر 41 يومًا، وعدد إغلاقه 324 يوم، خرج من القطاع 26431 مسافر، وعاد إلى قطاع غزة 14431 شخص.

كل من جاءت لهُ الفرصة، وخرج من غزة، ودخل سينا، ورأى بأم عينه حقيقة الواقع المحيط، أدرك في نفسه أن الحديث عن انفراجات، وإقامة منطقة تجارية حرة ما هي إلا مسكنات وأوهام مجردة من الصحة، ويدرك أيضًا أن مصر ليست بحاجة إلى قطاع غزة كما يصور الإعلام الفلسطيني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد