ابتسامة شاحبة وعينان غراقتان في جمجمة مستديرة تمامًا، تُظلهما رموش كثيفة تكاد تصل إلى ذينك الحاجبين المتصاعدين؛ قامة طويلة تكسوها سحنة باهتة أنهكتها شهور الاختباء؛ كان ينصت لصوت المحقق كما لو أنه يستمع لنسنسة الريح، يحدثه المحقق بالتهم الموجهة إليه، وكلما أكمل تهمة تنهنه وأخبره بأنها لن تكون بحجم آخر تهمة سيعترف بها، كان متأكدًا من أنهم لا يعرفونها، إصراره هذا جعل من تلاوة تلك التهم الأولية وكأنها تلاوة لحقوقه.

في أول مرة منذ العثور عليه مختبئًا في الأرشيف المركزي، وفي أول اعتـراف له؛ صاح ذلك الأميـر والقيد في يديه: «عن سِرِّكِ الخفي دعيني أحدث الناس أيتها المدينة، عَنْ سِرِّكِ الذي واريتُهُ عن كُلِّ وسواس، سأبهرهم بخبـره المجحود لينبهروا ثم ليسجدوا حيث أمرهم ربهم وليقولوا مقولتهم البكر (سنعود)».

صمت قليلًا ثم واصل حواره مع تلك المدينة التي كان يتهددها: «سأخلخل رتبتك بين المدن، وأسرق من نشيدك مقطعًا (فدائيًا) وأقتل حامل المفتاح، أُفَتِّشُ بين جثمانه عن جراد وقمّل وضفادع، ثم أنزوي إلى ركنك الحصين لأشرب كأس الخيانة وأفنّد كتاب الأعرج: (القدس خبـز الله وماؤه، مدينة تكفي الجميع، قلبها واسع، دينها كبيـر، إيمانها متعدد، أشجارها تغطي كل العرايا ومراياها ليست عمياء، وحيطانها ليست للبيع).

(القدس ليست للبيع) أنت مخطئ يا ابن حَنَّه، القدس تُشترى وتباع لكن بثمن ليس من جنس الحساب والرياضيات، وحده سري الذي سأبوح به من سيعلمك بقيمة الثمن، وحده جنوني سيبيعها بلا خجل.

البارحة عندما زرت حي المغاربة سرًّا تَقدَّمَت بي ساقاي نحو جدار للهزيمة له اسمان؛ اسم لتسلية نبي تركته خلفي واسم لبكاء قوم أحبهم ويحبونني، ومصادفة – أو ربما بحيلة ممن يحبونني – اتكأت على حجر ناتئ فيه وإذا به يرتد إلى الوراء لينحصر معه الجدار ويدور بي نحو جهة أخرى من المكان، غُرفة يغمرها دخان مُبِين، عارية عن كل زينة، اُحتُكِرَ ضوؤها في ركن سكنه شاب سبعينيٌّ يرتدي نظّارة بحجم دهشتي في التعرف عليه؛ «أوووه درويش؟».

نعم صدقوا أو لا تصدقوا أيها الأنتلجنسيا؛ كان محمود درويش من يسكن ذلك الوراء، تَنَفَّستُ الدخان الثقيل وارتميت على أرض قدميه بحثًا عن أمان فقدته منذ أعلنت حربي على ربيع إخوتي الذين استأمنني عليهم ذلك النبي الذي تركته خلفي.

كان على ما يبدو يكتب شعرًا على ورقة بمقاس النثـر، جلست مفترشًا فضولي أراقبه في وُجُوم؛ كان يكتب من ذاكرته لا من قريحته، فقد ملأ الورقة قبل أن يرتدّ إليَّ طرفي؛ ثم التفت إليَّ بلا وجه وقرأ ما كتب:

(أرض ضيقة هي تلك الأرض التي نسكنها وتسكننا، أرض ضيقة لا تتسع لاجتماع قصير بين نبي وجنرال، وإذا تعارك ديكان على دجاجة وعلى خُيَلاء، تطاير ريشهما عن الأسوار، أرض ضيقة لا حميمية فيها للنكاح بين ذكر الحمام وأنثى الحمام، أرض فضيحة، أرضٌ صفراء الصيف، ينقر الشوك فيها وجه الصخر لتزجية الوقت، حتى لو قالت قصائدنا عكس ذلك، وأمدّتها بمختارات من أوصاف الفردوس لإشباع جوع الهوية. أرض ضيقة… ونحبها، ونعلم أنها لا تتسع لضحكة الفاجر ولا لصلاة الراهبة ولا لنشر الغسيل بعيدًا عن فضول الجيران، ولا تتسع للسطر الرابع عشر من سوناتة مترجمة، أرض ضيقة لا ساحة فيها تكفي لمعركة حقيقية مع عدو خارجي، ولا قاعة تسع المجتمعين لصوغ ديباجة عريضة عن سلام كذب، ومع ذلك أو لذلك؛ يقولون إن أحد الآلهة اختارها كهفًا للخلوة، والاختفاء عن المتطفلين الذين سرعان ما سرقوا قرون أكباشنا، واستخدموها سلاحًا لإبعادنا عن باب الكهف المقدس).

أنهى درويش ترتيل نصه، رمى بالورقة نحوي وقد أشار بي إلى الخروج من باب في زاوية التاريخ، ثم انكفأ على نفسه وحشر رأسه بين ركبتيه ودخل كهفه المقدس، تراجعت نحو الباب وأنا أحمل الورقة وما أن عبرت قوسه حتى وجدتني في سوق الخليل؛ أمام دكان لبيع التُحَف ومقايضتها، فحملت نفسي على دخوله، هناك قايضت الورقة بصورة نادرة لمسيح حزين كدت ألا أعرفه، تَلَقَّفَتها وأنا منتشٍ بالصفقة الناجحة والسريعة، قبّلتها ثم أدرتها فوجدت مكتوبًا على ظهرها بخط عريض: (شكرًا على الثقة… لو عاجبك العرض يا طويل العمر، لسا في مدن أخرى للبيع).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد