ليس سهلًا الادعاء بأن هذه الوجيزة يمكنها الإحاطة بالهدف الأساس الذي وضعت من أجله، والمقصود به معرفة كيف نشأت البارزانية بشكلها المعروف في كردستان العراق واستمرت حتى الوقت الحاضر ، وكيف فرضت نفسها على خارطة الساحة السياسية والاجتماعية الكردية بغض الظر عن التقييم السلبي أو الإيجابي لذلك التأثير.

إلا أن التسليم بعدم التمكن من الوصول إلى الغاية المرجوة بكامل أبعادها، لا يمنع بذل شيء من الجهد كمحاولة لعرض ابرز محاور نشأة البارزانية وتطور مسيرتها حتى أخذت الشكل الذي هي عليه اليوم، محاولة لا ندعي فيها الحياد أو التجرد من وجهات النظر المسبقة، ولا ننكر أن الظرف الحالي المتمثل بقرب موعد الاستفتاء المزمع إقامته في كردستان في 25 من الشهر الجاري لم يلقِ بظلاله على الطريقة والمضمون الذي أريد لها أن تخرج به، لأن ادعاء الحياد في قضية كهذه يراد لها بشكلها الحالي أن تكون بوابة لتقسيم وطن وتفتيت وحدة ترابه وتماسك شعبه بعد فشل كل المحاولات السابقة لتحقيق ذلك، سيكون ادعاء سخيفًا لا يمكن أن ينطلي على أحد.

كان وصول زعامة عشيرة بارزان – نسبة إلى قرية بارزان الواقعة غرب قضاء الزيبار – إلى عبد السلام بارزاني – الشقيق الأكبر للملا مصطفى والد مسعود – منعطفًا حقيقيًا في تاريخ القبيلة، حيث بدأت التطلعات الدنيوية والنزعات الرئاسية تتصاعد وتطغى بمرور الوقت على صبغة الزهد والتدين التي اشتهرت بها العشيرة في السابق، فبدأت حوادث مهاجمة العشائر المجاورة وفرض الإتاوات عليها وتوسيع النفوذ على حسابها، كما هو الحال في الصراع الذي دخلته العشيرة البارزانية ضد عشائر الزيباريين التي كانت تسكن المنطقة المقابلة لمنطقة بارزان على الضفة اليمنى للزاب الأعلى في دجلة.. وبحلول عام 1909 كان نفوذ عبد السلام بارزاني قد وصل إلى أطراف العمادية وعقرة التابعة للواء الموصل آنذاك، وطرح نفسه حاكمًا فعليًا لتلك المناطق، وأخذ بتحدي سلطة الدولة العثمانية والتمرد عليها إلى حد رفض إرسال المجندين للانخراط في الجيش العثماني مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 الأمر الذي استدعى قيام العثمانيين باعتقاله وتنفيذ حكم الإعدام به.

مع غياب من يرث عبد السلام من صلبه، وصغر سن إخوته أحمد ومصطفى وصديق ومحمد بابو، فقد تكفل برعياتهم جميعًا زعيم الزيباريين في ذلك الوقت مصطفى آغا الذي قام بتزويج ابنته لاحمد، ليأخذ نجم هذا الأخير بالصعود والبدء بتحدي السلطة العثمانية مجددًا وبسط سلطته على العشائر الكردية الأخرى باستخدام العامل الديني المستند إلى مظاهر ملفتة لتكريس الزعامة، فبحلول عام 1919 وبدء عصر الاحتلال، ثم الانتداب البريطاني على العراق، كان أحمد قد قطع شوطًا واسعًا لتكريس زعامته الدينية والعشائرية بشكل مطلق.

وعلى طريق التصادم المحقق مع النظام الملكي الذي كان يستعد لادخال العراق عصبة الأمم أوائل الثلاثينات وعزمه بسط نفوذه على كامل البلاد وإدخال نظام الإدارة المدنية إلى بارزان ، وبعد معارك استمرت أكثر من خمسة أشهر لجأ أحمد بصحبة أشقائه إلى تركيا، وسلم نفسه لحكومتها التي جردته ومن معه من اتباعه من السلاح وسمحت له بالاستقرار في أرض روم، بينما بقي شقيقاه مصطفى وصديق على مقربة من الحدود مع العراق قبل أن يتم نقلهم إلى أدرنة على الحدود مع اليونان، وبعد أن تم تسليمهم إلى العراق والعفو عنهم أواسط 1934 سمح للبارزانيين بالعودة إلى قراهم باستثناء أحمد وأخويه الذين نقلوا إلى الموصل والناصرية والحلة، ثم الديوانية على التوالي، قبل أن يقدموا استرحامًا إلى الحكومة لنقلهم إلى مناطق كردية تمت الموافقة عليه بنقلهم إلى السليمانية.

جاء دور الملا مصطفى بارزاني في قيادة البارزانية مع مطلع الأربعينات من القرن الماضي بعد تمكنه من الهرب من الإقامة الجبرية المفروضة عليه وعلى أسرته في السليمانية بمساعدة وعلم بريطانيا ولجوئه إلى المنطقة الجبلية في بارزان، واللافت للنظر أن الملا مصطفى قد سلم نفسه بالكامل للحكومة البريطانية، وكان يتعامل معها دومًا كخادم مطيع، بل يقبل بكل ما تمليه عليها من شروط وأوامر، قياسًا بتعامله المختلف مع الحكومة العراقية، وأبسط مثال على ذلك إحدى رسائله المبعوثة إلى السفير البريطاني في بغداد كورنوراليس جوابًا على رسالة الأخير التي حملت نوعًا من التطمين والطلب بالامتثال لنصائح بريطانيا، والتي ذكر فيها الملا بأنه سيطيع الأوامر مهما كانت كطاعة ابن لأوامر أب شفيق، طالبًاً من السفير أن يرسل له الميجر ستيبنغ (اأحد مستشاري الداخلية البريطانية) ومعه ممثل عن الحكومة العراقية، وأنه سيقبل بما يحكم به الميجور البريطاني أيًّا كان، ومكررًا التماسه بالعفو عنه من قبل الحكومة وتعهده بعدم صدور أي فعل من أفعال السلب والنهب في المنطقة ما دام على قيد الحياة.. وبنفس اللهجة بعث برسالة أخرى إلى المستشار السياسي البريطاني في شمال العراق – ومقره كركوك – يبلغه فيها بنتائج محادثاته مع ممثل الحكومة العراقية لغرض تسوية أوضاعه بالقول: (تركنا مسألة تسوية شؤوننا، سواء كانت بصورة مرضية أو غير مرضية إلى رحمة حكومة بريطانيا وإلى همتكم المعروفة.. الشيء الوحيد الذي طلبته من الوزير هو أن يطلب منكم أن تضمنوا لنا حمايتكم).. وبنفس المنوال سارت كل مخاطبات بارزاني مع البريطانيين مركزة على المطالب الشخصية البحتة، وإظهار الطاعة التامة، دون أي ذكر لمطالب قومية أو سياسية تخص الأكراد.

اعتمد الملا مصطفى استراتيجية التحالف مع مختلف القوى خارج العراق كالاتحاد السوفيتي وبريطانيا، ثم أمريكا لتحقيق غايته الأساس بتنصيب نفسه زعيمًا منفردًا على القومية الكردية، ولم يكن هناك ما يجعله يتورع عن إقامة الصلة حتى مع الكيان الصهيوني، تلك الصلة التي بدأت منذ عام 1963 حسب ما أفادت بذلك صحيفة (يديعوت أحرونوت) عام 1980 بأن أحد أعوان بارزاني قد اتصل بممثلي سفارة العدو في باريس حينها طالبًا الدعم الصهيوني على مستوى التنظيم، وجباية الأموال لصالح الأكراد – والمقصود بهم بالطبع الملا مصطفى ومن معه – وقد أشارت الصحيفة إلى استجابة واسعة لهذا المطلب حينها من قبل بعض النخب الفنية والثقافية الصهيونية، أعقبها تنظيم أول دورة لتدريب عناصر بارزاني في أغسطس (آب) 1965 بإشراف ضباط من الموساد في معسكرات صهيونية.. كما أن نائب وزير مالية العدو في حكومة ليفي أشكول (أرييه إلياف) قد ذكر في مقال نشرته (يديعوت أحرونوت) أيضًا عام 1978 بعنوان (في مهمة سرية إلى مصطفى البارزاني) أنه قد زار بارزاني سرًا نهاية عام 1966 بتكليف من أشكول مصحوبًا بمستشفى ميداني مقدم كهدية له، وأن بارزاني قد كلفه بإبلاغ أشكول وكافة أعضاء الحكومة أن (الأكراد لن ينسوا أنكم أنتم اليهود الوحيدون الذين وقفتم إلى جانبهم في هذه المحنة) وحمّله خنجرًا كرديًا كهدية إلى رئيس الكنيست حينها كاريش لوز .. ولتتوج هذه الصلة بزيارة علنية – كانت ضمن زيارات سرية أخرى – قام بها بارزاني إلى الأرض المحتلة عام 1968 حسب ما أفاد به أحد من حضروا تلك الزيارة وهو الكاتب الصهيوني إسحاق بن حورين في كتابه (زيارة سرية) الذي نشر في ملحق صحيفة معاريف عام 1987.. ويكفي فوق ذلك كله تصريح رئيس وزراء العدو عام 1980 مناحيم بيغن في لقائه مع أساتذة هيئة تدريس الجنود التابعة لمستوطنة جفعات اولغا والذي نشرته (معاريف) في نهاية سبتمبر (أيلول) من ذلك العام، حيث أوضح أن كيانه قد قدم الأسلحة والأموال لبارزاني طوال عشر سنوات (1965 – 1975 )، بالإضافة إلى مساعدته في التدريب وتبادل المعلومات.. وكذا أوردت الصحيفة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته (1980) أن رئيس الموساد عام 1971 تسفي زامير قد زار كردستان العراق حينها بغرض ترتيب أوضاع الخبراء العسكريين والمدربين الصهاينة المتواجدين هناك.. بالإضافة إلى التنسيق الثلاثي طوال تلك الفترة بين بارزاني والكيان الصهيوني ونظام الشاه الذي أعطى تسهيلات إيواء مقاتلي بارزاني وتدريبهم سواء بواسطة (السافاك) أو (الموساد).

يقف الأكراد ومعهم العراق حاليًا على عتبة منعطف جديد في هذه السيرة الطويلة والمليئة بالتقلبات، والتي لعبت عائلة بارزاني دورًا اساسيًا في إيصالها إلى عبر هذا الزمن الطويل إلى حيث الأزمة التي تعاني منها اليوم، وقد كان ارتباط ومن ثم رهن مصير الأكراد عمومًا بشخص كمصطفى بارزاني ونجله مسعود بعده والارتماء في أحضان القوى الأجنبية من أسوأ ما قام به الأب وابنه تجاه القضية الكردية، والتي لا شك أن كليهما قد سعيا بشكل مكثف لضمان عدم حلها بأي طريقة لا تخدم مصلحتهما في الهيمنة والتسلط كزعماء على أبناء الشعب الكردي، ولم يكن حتى تأسيس حزب العائلة (الديمقراطي الكردستاني) أواسط الأربعينات سوى إضفاء مظهر تجميلي على الزعامة العشائرية التي قامت عليها طموحات هذه العائلة والتي أخذت شكلها الصارخ في الوقت الحالي.

إن ما ذكرناه كان عرضًا مختصرًا جدًا لمراحل نشوء البارزانية كظاهرة عشائرية تحولت إلى حركة مسلحة على مستوى العراق، عرض لا يفي بالتأكيد بمتطلبات الإحاطة الواسعة بهذه الظاهرة، سواء في دورها والأحداث التي ساهمت في صناعتها أو حتى على مستوى عمرها الزمني.
وإن كثيرًا من الحقائق حول ارتباطات تلك العائلة بمختلف الأطراف – خارج العراق
خاصة – لم يتسع المجال لذكرها، ولكنها بالتأكيد موجودة حيث يريد كل ذي رغبة
بالاطلاع أن يجدها معبرة عن نفسها بشكل واضح، وعلى لسان من كانوا أعوانًا ومساعدين لبارزاني في مختلف الحقب الزمنية، ولذوي الرغبة بالاطلاع على تلك الحقائق حينها حرية التعليق والحكم على ما وقعت عينه واستوعبه عقله منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد