إن عائق التوحد بين الفصائل المقاتلة في سوريا أحد أهم أسبابه هي تلك الجماعات المؤمنة ببدعة المتغلب، التي أول من طبقها واقعًا على الأرض في الثورة السورية هو «تنظيم القاعدة» وبعض الجماعات الإسلامية الأخرى، حيث إن المتغلّب يرى في نفسه الأحقّية بالحكم، فلو سفكت الدماء فلا مشكلة في نظره؛ لأنه يرى أن غايتهُ النبيلة ـ حسب اعتقاده ـ تبررها الوسيلة مهما كانت.

سمعنا بفقه السنة وفقه الزكاة وفقه الجهاد وفقه المعاملات، أما فقه التغلب فهو اختراع جديد يفتح الطريق لفقهنة الانحراف وتأصيله شرعاً، اختراع مصطلح فقه التغلب هو شرعنة للطغيان بإضافة الفقه إليه وتلطيف لجريمة اغتصاب الأمة حقها في الشورى، كما لو قيل فقه الاغتصاب وفقه الجور، كاختراع مصطلح فقه تعطيل الشرع فهو مصطلح مضلل.

هذه الإضافة فقه التغلب تحمل في تركيبها تناقضاً فاضحاً، إذ الفقه هو الفهم والعلم، بينما التغلب جهل بحكم الله وبحق الأمة وعدوان عليهما وظلم، فليس للتغلب فقه، بل هو تعطيل لحكم الشرع ولفقهه، فلا يتصور وجود الفقه حينها، وإنما الحكم حينئذ للواقع وللقوة، لا للشرع والحق، والموقف منه اضطراري، فالتغلب ظلم للأمة، وعدوان عليها، ولا فرق بين متغلّب يتدثر بدثار الدين ومتغلّب يتدثر بدثار البعث أو القومية.

التغلّب هو منكرٌ يجب تغييره، وليس حسنة بين سيئتين ليكون الموقف منه بين غالٍ فيه وجافٍ عنه، بل بين قادر على تغييره وعاجز عنه، فالتغلب لا مشروعية له في حكم الله ورسوله، وهو تعطيل للشرع، وعدم قدرة الأمة على منع التغلّب في زمن ما وعجزها عن تغيير الظلم وإبطال الغصب لا يرفع التكليف عنها، بل يظل الخطاب قائمًا والتنفيذ منوطًا بالقدرة.

إن الفصائل التي تسعى لتطبيق التغلّب في المناطق التي تسيطر عليها، أشبه ما تكون بتنظيم الدولة، بالرغم من أن أول من ابتدع التغلّب في التاريخ هو «مروان بن الحكم»، عندما تغلّب على الصحابي الجليل «عبد الله بن الزبير»، وقيل إن حكام الدولة العباسية هم أول من ابتدع التغلّب، عندما تقاتل العباسيون مع متأخري الأمويين، فصار التغلّب ديناً وشرع له، ولكنه ليس من سنة رسول الله ولا سنة الخلفاء من بعده.

إن نزعة التغلّب وعقلية الإقصاء وغياب روح الإخوة والتجرؤ على الدماء تحت قاعدة الغاية تبرر الوسيلة، كانت أحد أسباب الصدام بين العديد من الفصائل، والذي يتحمل مسؤوليته بالدرجة الأولى هو الفصيل صاحب هذه العقلية، وعلاج ذلك أن تتبرأ هذه الفصائل من هذه الأمراض وتكفر بها وتعلن العمل تحت التعاون والتشارك الذي أمر به الإسلام «واعتصموا» «وتعاونوا» «وكونوا عباد الله إخوانًا» عندها تتكلل ثورتنا بجيش واحد يضم الجميع، لا تغلّب فيه ولا إقصاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عضد
عرض التعليقات
تحميل المزيد