لكل امرئ من اسمه نصيب..

الآن، الآن فقط بِتُّ أُدرك أنّ من قالها كان صادقًا، صادقًا جدًا.

إلى تلك الروح الطاهرة، إلى «المُثقف المُشتبك»، إلى «عيّاش» الصغير الذي فجر عقولنا بدل باصاتهم، إلى «الصيدليّ» الذي أعطى خير وصفة طبية كتبت على هذه الأرض وبخط واضح ومفهوم.

«لا تمت قبل أن تكون نِدًّا»

إليك أهدي حروفي هذه، فأنا أعلم حتمًا أنك ما تزال حيًّا، فأمثالك يرفضون الموت، أحياءٌ في الأرض، أحياءٌ في السماء، أفكارٌ ثائرة في عقول الناس، والأفكار لا تقتلها الرصاصات.

لروحك الرحمة 

أما بعد:

 تحية العروبة والوطن والتحرير، أما بعد..
إن كنت تقرأ هذا فهذا يعني أنّي قد مت، وقد صعدت الروح إلى خالقها، وأدعو الله أن ألاقيه بقلبٍ سليم مقبل غير مدبر بإخلاص بلا ذرة رياء.
لكم من الصعب أن تكتب وصيتك، ومنذ سنين انقضت وأنا أتأمل كل وصايا الشهداء التي كتبوها، لطالما حيرتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختزلة فاقدة للبلاغة ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة.
وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيًا مقتنعًا وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد، وكان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهور طويلة إلا أن ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء فلماذا أجيب أنا عنكم فلتبحثوا أنتم أما نحن أهل القبور لا نبحث إلا عن رحمة الله»

بهذه الحروف التي سُطرت بماء الذهب، بل بماء الحياة – وهو أقدس – غادر الشهيد باسل الأعرج ساحة النضال الفلسطيني، وزُف عريسًا على الأكتاف تاركًا وراءه حِملًا ثقيلًا لمن سيحذوا حذوه في نضاله وصموده وتاركًا وراءه إرثًا عظيمًا تمثّل في وصيته هذه.

وما كان لهذه الحروف أن تمرّ على مسامعي دون أن تفيض حروفي بدورها تحاول عاجزة أن تصف هذا «العظيم» وتصف ما كتب، وفي البداية نحن لا نقدس باسلًا، فالله أولى وأدرى بسريرته وإن كنت أظنّ تمام الظنّ أنه عظيمٌ عند الله كما عاش ومات عظيمًا عزيزًا في الأرض – ولا نزكي على الله أحدًا – ولكننا نقدس كل فكرٍ عاش مناضلًا ومات مناضلًا.

وبالعودة إلى الوصيةٌ التي كتبها الشهيد قبل فترة من وفاته على ما يبدو نجد العجب العُجاب، حيث يتجلى فيها أنه كان عازمًا على مغادرته هذه الحياة والالتحاق بالرفيق الأعلى، ويا له من شعور عظيم ومخيف في ذات الوقت!

أن تكتب بيدك وصيّتك الأخيرة مُقبلًا على الموت، وتكون حروفك بهذ القوة، تُشعّ في ذاتها إيمانًا مُطلقًا وعزيمة لا تستكين، وتبعث في النفس هُدوءًا لم يوحِ البتّة بأنه مقبلٌ على حرب طاحنة خاضها مُنفردًا في منزل بمحيط «مخيّم قدورة» استدعت قوات الاحتلال أن تقصف المنزل على رأٍسه وأن يدخل الجيش مدرعًا إليه ليطلق الرصاص الحيً من نقطة الصفر عليه، وتواردت بعض الأخبار أن الاشتباك دام لساعتين كانتا كفيلتين بنفاد ذخيرته ولربما لولا نفادها لكان صموده أطول.

كان صادقًا حين قال: «قلب مقبلٌ غير مدبر»

وكان صادقًا أكثر حين قال أنّه «يسير إلى حتفه راضيًا» وأنه قد «وجد أجوبته» تاركًا إيانا في حيرة ما بعدها حيرة .. وأين نبحث عنها يا باسل؟

أين سنجد دافعًا يجرنا إلى الموت مطمئنين، بل لنقل يجرنا إلى الحياة معززين مكرمين، ولا زلت عاجزًا عن إدراك مقصده حين قال وصيته الأخيرة، ومقصده بالـ «أجوبة»، وبالرغم من إبحاري في سيرته العطرة، فما وجدت إلا شابًا دينه وديدنه المقاومة وكأنه رضعها طفلًا، يثور هنا ويصرخ هناك، يكتب هنا ويعتصم هناك، ويعتقل مرة تلو الأخرى.

لم يكن ممن باعوا ألسنتهم وأقلامهم فعباراته تشهد له بذلك، » ألا إن الدعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتين، بين السّلة والذلّة.. وهيهات منّا الذلّة» فهذه قالها في سجن السُلطة معلنا إضرابًا عن الطعام، وأخرى قالها تصلح أن تكون منهج حياة «عش نيصًا… وقاتل كالبرغوث» ومدوناته ونصوصه في الحراك الشبابي وأرشفة الثورة كانتا خير دليل وبرهان.

أخافهم حيًّا وأخافهم شهيدًا لدرجة رفضهم تسليم جثمانه بعد استشهاده، ولعلها رسالة واضحة أرادها الله أن تظهر لمن أراد أن يثور بعد باسل، بأن الجثمان وإن توارى عن الأنظار وغاب الجسد ودفن تحت التراب، سيظل ذكر الثائر حيًّا طيّبًا ما حيينا، وسيظل شعاره «فلتبحثوا أنتم» حيًّا فينا أيضًا يبعثنا  على البحث.

وستظل ذكراه أيضًا حاضرة في أذهاننا تدعوننا إلى «الاشتباك» ولو بالقلم حتى .. وستحُثنا أن لا نموت قبل أن نكون أندادًا لحصارنا الفكري وعبوديتنا أولًا.

مرة أخرى .. إلى روحك الطاهرة الرحمة، والى كل «باسل» ما زال بيننا يبحث عن طريقه ليثور فيه .. » كن نيّصًا .. وقاتل كالبرغوث»