«محمد علي باشا» ما إن يُذكر هذا الاسم أمامك، حتى يقفز إلى ذهنك كلمات من نوع: «النهضة»، و«مصر الحديثة»، و«التقدم والرقي»، وبالفعل فالرجل طور مصر، وجعلها دولة بمعنى الكلمة، بعد أن استقل بها عن حوزة الدولة العلية، وبدأ في البلاد نهضة كبرى، شملت جميع جوانبها، نهضة كان هو وحده رائدها، ومسير دفتها، وقد درج الكثيرون على القول بأن تلك النهضة ماتت بموته، وقضى عليها حفيده «عباس باشا»، لكن عندما ننظر بعين فاحصة لمجريات الأمور، نجد أن تلك النهضة قد بدأت بالانهيار في وجود «محمد علي» نفسه.

عندما أراد «محمد علي» أن يبني نهضته، وجه كل أنظاره إلى أوربا، وكانت علامة عظمة، تلك الدولة تكمن في قوة جيشها، وعظمة أسطولها، وكثرة سلاحها، ولعل هذا هو أكثر ما لفت انتباه الباشا الذي أراد نهضة سريعة؛ ليكون بها جيش قوي؛ يحقق به أحلامه، ولكن تلك الدول الكبرى، عندما بدأت النهوض، لم تبدأ ببناء الجيش، بل ببناء الاقتصاد، والثورة الصناعية، وتطوير وسائل الإنتاج، وتم ترجمة تلك القوة لجيوش قوية، وأساطيل عظيمة، وأسلحة متطورة، وليس العكس.

وهكذا بدأ الباشا نهضته من حيث انتهى الآخرون، ولذا فقد ارتبطت كل مظاهر النهضة في مصر الحديثة بالجيش؛ فالتصنيع ارتبط بشكل أساسي بحاجات الجيش، والتعليم ارتبط بتخريج موظفين؛ يعملون في دوائر الحكومة والدواوين المرتبطة بالجيش، وهكذا وُلدت «نهضة مصر الحديثة» بمدارسها ومصانعها ودواوينها، وحتى إرسال البعثات التعليمية للخارج، ارتبط بشكل أساسي بخدمة الجيش المصري، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى فإن اقتصاديات مصر المتوفرة قبل محمد علي، لم تكن لتكفي للأنفاق على تلك المشروعات النهضوية الكبرى، ولذا أوجد محمد علي نظام الاحتكار الذي ساعده بالفعل في توفير الأموال اللازمة للإنفاق على الدولة المصرية، ومشروعاتها الوليدة، وقد كان لنظام الاحتكار آثاره السيئة، فهذا النظام، وببساطة، جعل من الباشا الصانع الوحيد، والزارع الوحيد، والتاجر الوحيد، وهو ما قضى على أية فكرة تنافسية، وقلص دور طوائف الحرف، وأضعف الصناعات الصغيرة، حتى إذا ما سقط نظام الاحتكار، كانت الأمور قد ساءت بالفعل، ولم تجد السوق المصرية ما يضمن لها الاستمرار والبقاء.

هكذا إذن أسس الباشا جيشًا قويًا، وأوجد لذلك نظامًا اقتصاديُا يساعده على تنفيذ طموحاته، وبدأ هذا الجيش يهدد كيان رجل أوروبا المريض، هرعت الدول الكبرى للدفاع عن ذلك الرجل المريض، وكان عليهم تحجيم محمد علي وتمت تسوية لندن التي أُجبر الباشا على الخضوع لها؛ ليضمن بقاءه على عرش الكنانة، وهنا انتهت نهضة الباشا، أو على الأقل بدأت في نهايتها، ولذا، لأن جناحي نهضة لباشا قد تم كسرهما؛ فمن ناحية الجيش، فقد أصدر الباب العالي «فرمانًا» بتقليص الجيش المصري إلى ثمانية عشر ألف جندي فقط. وهكذا نقص الجيش الكبير الذي ارتبطت به نهضة مصر، وضعف أمره، وبالتالي فقد ضعفت تلك النهضة، وبدأت تتلاشى، فلم تعد هناك حاجة لكل تلك المصانع، و«الفبريقات» والدواوين، التي تخرج موظفين، والمدارس التي تخرج متعلمين؛ لخدمة جيش تقلص عدده، ونقص كل هذا النقص، وبدت تلك المشروعات عبئًا على كاهل الدولة، موجود لكنها لا تحتاجه.

ومن ناحية الاقتصاد ونتيجة معاهدة لندن سنة 1840 فقد اضطر الباشا للخضوع لمعاهدة «بلطة ليمان» التي قضت على نظام الاحتكار ذلك النظام الذي وفر لمحمد على ما يحتاجه من أموال؛ للمضي قدمًا في تنفيذ مشروعاته الطموحة التى لم يعد من الممكن استكمالها، حتى في ظل ضعف الجيش؛ لأن الاحتكار نفسه أصبح لا وجود له، وهكذا بدأ الانهيار لنهضة مصر الحديثة، ذلك الانهيار الذي تجلى واضحًا في عهد «عباس حلمي الأول»، وألصقه الناس به ظلمًا وعدوانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد