ليس ثمة شك في أن القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في المنطقة وصاحبة الكلمة فيها: الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، كانت قد اتفقت منذ ما قبل اندلاع الثورة السورية بقليل في بدايات عام 2011 على عدم السماح بسقوط النظام السوري عبر ثورة شعبية محلية تلقى دعم الغرب على غرار ما حدث او كان يحدث آنذاك في ليبيا.

وعلى الأرض ترجم هذا الاتفاق سريعا من خلال عدم تردد النظام السوري في مواجهة التظاهرات السلمية الأولى في جنوب البلاد بالرصاص الحي الذي كان يطلق على المتظاهرين العزل بهدف القتل وكأن المثال الليبي في تعامل المجتمع الدولي الحاسم مع نظام القذافي بحجة قتله للمحتجين المدنيين على نظام حكمه لم يكن يعني النظام السوري شيئا، ومع مرور الوقت وازدياد عمليات قتل المتظاهرين السلميين في سوريا فسرت التصريحات الأمريكية والغربية الأخرى والتي كانت تشدد على عدم النية في التدخل العسكري ضد نظام الأسد بدعوى وجود اختلاف بين الوضعين السوري واللييبي، فسرت اطمئنان نظام الأسد إلى عدم وجود نية لمعاملته على غرار القذافي بل على العكس تماما أي العمل على دعمه والوقوف إلى جانبه في السر والعلن في هذه الأزمة الكبيرة.

لقد كان بشار الأسد ومن معه في مواقع القرار داخل النظام السوري يعلمون تماما مدى قدرة إسرائيل على حماية نظام حكمهم من السقوط ومن ذلك مدى القدرة الإسرائيلية على التأثير على الموقف الحقيقي للولايات المتحدة الأمريكية والتي كانت استخباراتها آنذاك على تواصل شبه يومي مع كبار القادة العسكريين والأمنيين في نظام الأسد لاستطلاع آرائهم وحقيقة الأوضاع على الأرض من خلالهم.

مع انتهاء عام 2011 ودخول عام 2012 بدا أن النظام السوري ورغم كل ما أتيح أو سمح له دوليا من استخدام لقوته وترسانته العسكرية الكبيرة والمتنوعة ضد كل معارضيه مدنيين ومسلحين، بدا أنه يسير في طريقه المحتوم نحو السقوط سيما مع تسارع وتيرة الهزائم العسكرية التي كان يمنى بها على الأرض في المعارك مع المعارضة في مختلف أنحاء سوريا إذ أبدت المعارضة المسلحة والتي برزت آنذاك تحت مسمى “الجيش السوري الحر” تفوقا ميدانيا وقتاليا ومعنويا ملحوظا رغم الفارق الكبير جدا في التسلح والإمداد.

كانت هذه الحقيقة على الأرض هي أول إنذار حقيقي لكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل حول إمكانية فشل إستراتيجيتهم الحقيقية غير المعلنة في سوريا ودليل واضح على فشل رهانهما على نظام الأسد وقواته في كسب المعركة دون مساعدة مباشرة من طرف خارجي، ومن هنا لم يكن أمام واشنطن وتل أبيب سوى اللجوء إلى خيار دعم نظام الأسد بقوات من خارج سوريا وكانت إيران هي المرشح الأوفر حظا لاختياره للقيام بهذه المهمة باعتبار وجود علاقات إيرانية متينة مع النظام السوري يمكن أن تبرر التدخل العسكري الإيراني إلى جانب النظام وباعتبار أن المقاتلين الشيعة الذين ستزج إيران بهم في أتون المعركة يتمتعون على عكس مقاتلي الأسد العلويين بدافع عقائدي كبير مما يحفز إرادة القتال لديهم ضد الثوار السوريين ذوي الأغلبية السنية.

ورغم نجاح التدخل والدعم العسكري والمالي الإيراني في إبطاء تقدم المعارضة المسلحة في مناطق عديدة من البلاد وبالتالي إعطاء نظام الأسد بعض المتنفس، إلا أن القلق الأمريكي من بدء بروز وتبلور معارضة عسكرية إسلامية الطابع في سوريا مع وصول تقارير استخباراتية مؤكدة عن دخول عناصر جهادية إسلامية معادية من العراق وغيره إلى حلبة الصراع العسكري ضد نظام الأسد واحتمالات نجاح هذه القوى أخيرا في الإطاحة بنظام الأسد وخروج سوريا من دائرة الهيمنة الأمريكية ووقوع الفوضى فيها ما سيلحق الضرر بأمن وسلامة إسرائيل، أجبر ذلك كله واشنطن على إعادة النظر بموقفها المتطابق مع الموقف الإسرائيلي بل والمتأثر به والقاضي بدعم بقاء نظام الأسد بكافة رموزه وعلى رأسهم بشار الأسد وأفراد عائلته الآخرين مهما كلف الأمر.

التغيير الأمريكي تمثل بإمكانية الإطاحة أولا برأس النظام أي ببشار الأسد وبعض المقربين العسكريين والأمنيين منه والإبقاء على النظام الذي سيدخل بعد ذلك في مصالحة وطنية مع معارضيه المعتدلين والذين ينبغي عليهم جميعا الاتحاد بعد ذلك لمواجهة “خطر” القوى والتنظيمات الإسلامية المسلحة ذات الأجندة الخاصة والمستقلة والمعادية بطبعها للغرب.

وتعتقد أمريكا أنه ومع إبعاد الأسد عن الحكم والقضاء على وجود القوى الإسلامية المستقلة فإن بالإمكان بعد ذلك إعادة رسم خارطة نظام الحكم في سوريا بالتوافق بين المكونات الرئيسية لا سيما من هم في الحكم من علويين مع المعتدلين من السنة وصولا إلى نتيجة واحدة وهي نظام حكم علماني موال لأمريكا وللغرب بغض النظر عن شكله الخارجي إن كان ديمقراطيا أو ديكتاتوريا.

اعتبارا من منتصف العام 2012 بدأت واشنطن تعمل وبشكل منفصل عن إسرائيل على ترتيب أمر الإطاحة بشخص بشار الأسد بحيث يمكن فرض هذا التطور كأمر واقع على إسرائيل التي لن يكون بمقدورها سوى القبول به باعتباره “تحركا داخليا في أوساط النظام خارجا عن السيطرة” بمقابل بقاء النظام بصيغته الأمنية والطائفية المريحة لإسرائيل، لكن مؤيدي وجواسيس وأعين إسرائيل داخل مراكز القرار الأمريكي تمكنوا من كشف تفاصيل المسعى الأمريكي بل وأسماء الأشخاص المهمين في سوريا ممن جرت الاتصالات الأولية بهم للتحضير لموضوع الإطاحة ببشار الأسد ومن أبرز هؤلاء الجنرال آصف شوكت زوج شقيقة بشار وأحد أبرز المسؤولين الأمنيين والعسكريين.

لم يكن أمر الإطاحة بحكم عائلة الأسد واردا أبدا في سياسة وعقلية التعاطي الإسرائيلي مع قضية الصراع والحرب في سوريا لسببين، الأول موضوعي ومنطقي من وجهة نظر إسرائيلية ويتلخص في أن النظام الطائفي العلوي القائم في سوريا منذ أواسط ستينات القرن الميلادي الماضي والذي دفعت إسرائيل نفسها لإقامته ورعت وجوده ودعمته على مدى نصف قرن.. هو واحد من أهم ركائز أمنها ووجودها في المنطقة باعتبار تحالفه وتأييده الحقيقي للدولة اليهودية وتنسيقه معها في مواجهة العدو المشترك المتمثل بالمسلمين السنة وهم الأغلبية في المنطقة الخاضعة للاحتلال وللتهميش والإقصاء.

وبالاعتماد على نفس وجهة النظر الإسرائيلية فإن تماسك واستمرارية النظام العلوي الطائفي في سوريا هو أمر مشكوك فيه بدرجة كبيرة في حال تم إقصاء عائلة الأسد ورمزها الحالي بشار الأسد عن الحكم باعتبار أن العلويين كمجتمع طائفي يخضعون اجتماعيا لذات النظام الاجتماعي والسياسي المحلي في الشرق والقائم على الولاءات العشائرية والعائلية وعندما تبلور مشروع نظام الحكم العلوي في سوريا فقد تبلور وخرج على شكل ولاء طائفة لعائلة وليس لمؤسسات حكم كتلك المتعارف عليها في أنظمة الحكم الحديثة ومن هنا فقد مثلت عائلة الأسد القيادة الجامعة للعلويين كطائفة وهذا يفسر سرعة قبول وولاء العلويين لبشار الأسد الشاب غير المعروف نسبيا وعديم الخبرة في الحكم والإدارة فقط لأنه عائليا وعشائريا يمثل الوريث الشرعي لأبيه وامتدادا له ليس على المستوى الشخصي والعائلي فقط بل والسياسي أيضا وهذا هو الأهم.

باختصار لا تؤمن إسرائيل البتة باستمرار النظام العلوي الحليف في سوريا دون بقاء عائلة الأسد على رأسه ودون ذلك لن يكون هناك سوى الصراعات والتنافسات العائلية والعشائرية العلوية على الزعامة مما يمهد الطريق للأغلبية السنية للعودة لاستلام الحكم.

أما السبب الثاني في تمسك إسرائيل ببقاء بشار الأسد وعائلته فيعود على الأرجح لوعد قطعه الزعماء اليهود لحافظ الأسد بالحفاظ على تزعم عائلته وأبنائه من بعده لنظام الحكم العلوي في سوريا بمقابل الولاء الكامل لإسرائيل وربط مستقبل الوجود العلوي في سوريا بمستقبل الوجود اليهودي في فلسطين، وتعتقد إسرائيل أن تمسكها بالوعد الذي قطعته على نفسها يعطي مثالا إيجابيا وطيبا لبقية الطوائف والأقليات في المنطقة والمتحالفة معها بشكل غير معلن.

في صيف عام 2012 شجعت إسرائيل بشار الأسد على معاقبة “الخونة” الذين كانوا ينسقون مع أمريكا للإطاحة به وعلى رأسهم صهره آصف شوكت وكانت العقوبة هي الموت بتفجير اجتماع ما كان يعرف بخلية الأزمة التي ضمت عددا من أبرز القادة الفعليين والرمزيين العسكريين والأمنيين في النـظام السوري، واعتبارا من ذلك الوقت فصاعدا باتت المسألة أكثر تعقيدا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي تشاطر إسرائيل الموقف في ضرورة الحفاظ على نظام الحكم السوري الحالي وضرورة القضاء على المعارضة الإسلامية لهذا النظام لكنها تختلف أو حتى تتصارع معها بشأن بقاء بشار الأسد على رأس النظام من عدمه.

بل إنه يتوجب عدم استبعاد كون التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا يشكل هو الآخر وجها جديدا من أوجه اختلاف وجهات النظر الإسرائيلية – الأمريكية بشأن مستقبل ودور بشار الأسد، فموسكو بتصريحاتها وتحركاتها تبدو هنا أقرب إلى إسرائيل وكل دخولها إلى سوريا وتدخلها هو خدمة تؤديها لإسرائيل ضمن تفاهم أكبر يضم الولايات المتحدة وإن لم تكن الأخيرة تشعر بالرضا الكامل عنه كونه قد يقوي من فرص فرض الأسد على الجميع واعتباره جزءا من الحل وليس جزءا أساسيا من المشكلة ينبغي التخلص منه في نهاية المطاف.

النتيجة هي أن هذا الخلاف بين موقفي واشنطن وإسرائيل حول مصير ودور آل الأسد تسبب بطول مدة الصراع في سوريا وتخبط الدول الأخرى وعجزها عن اتخاذ موقف واضح وثابت من قضية الصراع في سوريا بمجملها والثمن يدفعه الشعب السوري من دمه والمنطقة ككل من أمنها واستقرارها المهددين بحروب انتقام طائفي تتكدس في كل يوم وتتضاعف موجباتها وأسبابها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد