اعتاد الشعراء في عهد بني أميَّة أن يفدوا على الأمراء والوزراء والخلفاء فيمدحونهم بأشعارهم، ويشيدون بسجاياهم وخصالهم، ولا يلبث الأمراء أن يردّٕوا الجميل بأكياس من الدنانير التي تبرق لها عيون الشعراء، وهكذا تحوَّل الشعر من سوانح النفس، وحديث القلب، إلى صنعة يتكسَّب منها الشاعر، ويجمِّل فيها الأمير صورته أمام الناس.

وبالمقابل فإن الأمير كان المستفيد الأكبر، فإن الشاعر حينذاك هو وسيلة الإعلام الوحيدة الرسميَّة، وشعره أسرع سريانًا بين الناس، والأدباء واللغويُّون كانوا يتلقَّفون تلك الأشعار في دروسهم وخطبهم، فمن أين للتاريخ أن يذكر سيف الدولة الحمداني لولا شعر المتنبي، ومن كان سيذكر الغساسنة والمناذرة لولا النابغة وشعراء الجاهلية!

عصر بشَّار بن برد:

في أواخر عهد بني أميَّة وبداية عهد بني العبَّاس زاد الأمر عن حدِّه، وانتشر الشعراء المتملِّقون المتزلِّفون للأمراء، وما عاد الأمير يرضى بأي مديح مطروح، بل أصبح لكلِّ قصيدة عطاء يوازي روعتها وحسن سبكها.

نقمة بشار بن برد على الحياة:

كان بشَّار ابنًا لعبد، ثم أعتق، وقد كان ضريرًا، واختلف الرواة هل وُلد أعمى، أم أنه أصيب بالجدري فعمي، وقد تميَّزت أشعاره ببراعة التصوير مما جعل الرواة يشكُّون بأنه أعمى، وقد كان قبيحًا دميمًا سليط اللسان، وقد كان يمدح الخلفاء والأمراء، ولكنَّ الأمراء لم يكونوا يجزلون العطاء له إلا خوفَ لسانه السليط وهجائه.

سلاطة لسان بشَّار بن برد:

قال: قيل لبشار: إنك لكثير الهجاء! فقال: إني وجدت الهجاء المؤلم آخذ بضبع الشاعر من المديح الرائع، ومن أراد من الشعراء أن يكرم في دهر اللئام على المديح فليستعد للفقر وإلا فليبالغ في الهجاء ليخاف فيعطى.

كان بشار يقول الشعر وهو صغير، فإذا هجا قومًا جاؤوا إلى أبيه فشكوه فيضربه ضربًا شديدًا، فكانت أمه تقول: كم تضرب هذا الصبي الضرير، أما ترحمه! فيقول: بلى والله إني لأرحمه ولكنه يتعرض للناس فيشكونه إلي؛ فسمعه بشار فطمع فيه فقال له: يا أبت إن هذا الذي يشكونه مني إليك هو قول الشعر، وإني إن ألممت عليه أغنيتك وسائر أهلي، فإن شكوني إليك فقل لهم: أليس الله يقول:«ليس على الأعمى حرج». فلما عاودوه شكواه قال لهم برد ما قاله بشار؛ فانصرفوا وهم يقولون: فقه برد أغيظ لنا من شعر بشار.

لا شيء يرقِّق طبع الرجال كالنساء، ولا أحد يخفِّف حدَّة الشاعر وعنفوانه مثل الأنثى، ولكن الأمر مختلف مع بشَّار بن برد، فيبدو أنَّ بشارًا اعتاد الغلظة منهنَّ فقد قال:

لا يؤيسنك من مخدرة … قول تغلظه وإن جرحا

عسر النساء إلى مياسرة … والصعب يمكن بعدما جمحا

ومن طقوس الشعر المشهورة عند بشار بن برد هي أنه إذا أراد أن يقول الشعر تنحنح وبصق عن يمينه وشماله وصفَّق بيده ثم قال الشعر!

وقال له رجل مرَّة: يا أبا معاذ! إن الله لم يأخذ من عبد شيئًا إلا عوَّضه فبمَ عوضك الله ببصرك؟

قال بشار: بأن لا أرى أمثالك.

دخل يومًا فرأى بشار بن برد ينشد المهدي قصيدة في مدحه. فلما فرغ منها، سأله: «يا شيخ ما صناعتك؟»، فأجابه الشاعر: أثقب اللؤلؤ! فضحك المهدي، ولكنه نهره قائلًا: ويلك! أتتندر على خالي؟ فقال: وما أصنع به؟ يرى شيخًا أعمى ينشد الخليفة شعرًا، ويسأله عن صناعته!

ورائيَّات:

لقد عاصر بشَّار أواخر العصر الأمويِّ، وشهد نقائض جرير والفرزدق الشهيرة، وقد هجا بشَّار جريرًا عندما كان صغيرًا لكنَّ جريرًا لم يردّ عليه استصغارًا له.

البيئة التي نشأ فيها بشَّار هي بيئة ازدهر فيها شعر الهجاء ودار على ألسنة العامَّة والخاصَّة، وقد كانت تلك المعارك الهجائيَّة تمثِّل سياسة التلويح بالعصا للأمراء الذين قد يتلكَّؤون عن إغداق العطايا على قصائد المديح.

أدرك بشَّار تلك اللعبة التي تجمع بين الترغيب والترهيب فكان يلوِّح بالهجاء ليُخاف فيعطى.

أضف إلى ذلك فإن العصر العباسيّ انتشرت فيه الحريَّات الفكريَّة وانتشرت المذاهب العقدية والفلسفيَّة، وكان الشعر والأدب سلاحًا لكل فرقة منهم.

ختامًا:

قد عاش بشَّار بن برد حياة صعبة ابتدأت بالعبودية والعمى، وانتهت بالقتل بتهمة الزندقة، وقد كان بشَّار ما بين ذلك يصبُّ جام غضبه على المجتمع، وقد ترك لنا إرثًا شعريًّا عظيمًا؛ إذ إنه واحد من أربعة شعراء لم يعرف الأدب العربيُّ أكثر منهم نظمًا.

والمؤسف أن الأمراء الذين كانوا يغدقون عليه العطايا قد فرحوا لموته ووزَّعوا أطايب الطعام ابتهاجًا لذلك، وهكذا طويت صفحة واحد من كبار شعراء الأدب العربيِّ، وكان ضحيَّة أخرى من ضحايا لسانه ولن يكون الأخير!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد