صحيح أن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى الخرطوم ليلة الخميس 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي كانت مبرمجة ومخطط لها مسبقًا، وهذا معلوم بالضرورة، وأن جدول أعمالها كان معد سلفاً ومخرجات الزيارة أعلن عنها في مؤتمر صحفي من قبل رئيسي البلدين.

لكن الذي لم يكشف عنه هو ما دار بينهما من خلف الأبواب المغلقة عن حديث الأحداث، الذي لم يجلس جليس،ولم ينهض ناهض، إلا وتحدث عنها وهو مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وبما أن السيسي حليف للسعودية التي تعاني من ضغوطات عالمية رهيبة بسبب مسؤليتها المباشرة عن بشاعة ما حدث للصحفي الراحل، فإنه يلزم أن يقدم الرجل الكثير للبلد الذي أخذ بيده، وفتح له خزائن المال ليقف على رجليه، نعم إن السيسي يجب أن يقف مع المملكة في محنتها ولكن ليس للرجل شيء يمكن أن يقدمه، خصوصًا أن من يملك مفاتيح الحل والعقد والمساومة وقليل من الابتزاز هو ألد أعدائه وهو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لهذا الوضع ربما قد يكون أخبر السيسي ابن سلمان بأنه سيتحدث مع البشير في مسائل محدودة على أن يمررها الأخير لصديقه أردوغان فالحصول على أي موقف إيجابي خير من لا شيء.

وما يعزز هذه الفرضية أنه لا يكون من باب الصدفة أن تعلن الخرطوم زيارة رئيسها إلى تركيا عقب زيارة السيسي مباشرة، حيث أعلنت أن البشير في تركيا الأحد القادم وهي الزيارة غير المرتب لها، بالإضافة إلى أنها تأتي متعارضة مع الاحتفال الكبير الذي يقيمه رئيس جنوب السودان سلفاكير ميار ديت بمناسبة اتفاق المصالحة والسلام بينه والمعارضة. والتي جرت برعاية البشير نفسه في الخرطوم ويعتبر الأخير من أهم ضيوفه، إذن كيف يغيب البشير عن احتفال مخطط له سلفًا ليغادر إلى تركيا في زيارة عاجلة وغير معلنة إن لم يكن السيسي من خطط لها ليصبح البشير وسيطًا للسيسي وسيط ابن سلمان.

يمكن أن تقرأ من خارطة العلاقات التركية مع محيطنا الإقليمي وتبحث عن شخص مرحب به من طرف أردوغان ولديه قدر من العلاقات مع السعودية والإمارات ومصر، لن تجد غير البشير اتفقت مع الرجل أم اختلفت معه.

فمثلا شيخ تميم أمير قطر محترم في تركيا ومغضوب عليه في الرياض وأبوظبي والقاهرة، وكذا مثله السلطان قابوس بن سعيد.

 وابن زايد معظم في الرياض والقاهرة ومغضوب عليه في تركيا ومثله السيسي أيضًا.

يوم الأحد القادم سيصل تركيا البشير في زيارة لمدة يومين وبالتأكيد سوف تكون ظاهريًا زيارة عادية تبدأ بالبروتوكول المعروف وتنتهي به ومؤتمر صحفي في ختام الزيارة وهذا كله غير مهم بالنسبة لنا لأنه لا يأتي من يقنعنا أن هذه الزيارة بسبب عادي جدًا وليس طارئًا يدخل ضمن ما خلفه مقتل جمال خاشقجي، لذا ومن أجل ذلك نريد أن نبحث عن ما يدور من خلف الأبواب المغلقة، عن ما يقدم كعرض لأردوغان مقابل إيقاف التسريبات التركية والتي تنفذ بصورة تجعل من هذا الحدث سيدًا على الساحة الإعلامية بصورة مستديمة. من المستطاع تقديمه عبر البشير كوسيطًا للوسيط عن السعودية إمكانية تخفيف الحصار عن قطر بصورة غير معلنة لسببين الأول لحفظ الكبرياء والنرجسية والثاني لعدم إثارة حفيظة الحليف المخلص محمد بن زايد وهذه المسألة بدأت ملامحها في الظهور، كما يمكن أن يمرر عبر البشير بعضًا من الوعود الاستثمارية الضخمة، وعقود شراء كبيرة للقطع البحرية وطائرات درون وفانتيوم التي تبرع تركيا في صناعتها، وناقلات جنود مدرعة وربما غير ذلك.

وإذا كان هذا هو تخمين للمستطاع تقديمه، إذًا ما هو المطلوب أن يقدمه أردوغان من تنازلات في هذه القضية؟ نعم الإجابة بوضوح نعرف جميعًا أن تركيا بلد مؤسسات وبلد من البلدان العظمى فهي تبحث عن مصالح شعبها وعن كبريائها، لا لايمكن أن تطلب السعودية طلبًا يعزف على أوتار حساسة في عظمة بلاد السلطان، ببساطة سوف يكون طلبها إيقاف التسريبات الإعلامية المثيرة بغض النظر عن مدى صحتها، وترك هذه المسألة للقضاء السعودي، ومحاولة لملمة الموضوع وعدم تحويله إلى محاكم دولية تسبب إزعاجًا دائمًا للسلطات ويمكن أن تتعدي سقف المطالب السعودية هذه بقليل.

هناك سؤالان قد يتبادر لذهن الكثيريين وهما قد يأتي من يقول أن أردوغان لا يساوم وسبق أن رفض الكثير في هذه المسألة لذا هل يعقل أن يقدم تنازلات في هذا الموضوع؟ وقد يتساءل آخر لماذا لا يقوم كوشنر مستشار ترامب وصديق ابن سلمان أو وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو فهو كبير جواسيس السي آي إيه سابقًا أو حتى ترامب نفسه بهذه المهمة وليس البشير؟

لما ورد أولا في عالم اليوم الذي تحكمه المصالح العليا فالجميع مع المصلحة وليس مع المبادئ والقيم حتى وإن كان أردوغان الذي هو نفسه سبق أن تغاضى عن القسيس الأمريكي وأطلق سراحه بمسرحية جيدة الاخراج من طرف تركيا مقابل مكاسب سياسية، وهو نفسه الذي اسقط الطائرة الروسية سو 24 الذي انتهكت الاجواء التركية وعاد وتنازل عن المبادئ معتزرا مقابل مصلحة اقتصادية… وفي كل الاحوال قتل خاشقجي بطريقة مثيرة للسخرية والاشمئزاز وانتهت حياة الرجل له الرحمة والمغفرة والقبول الحسن.. لكن بقيت المصالح ولم تمت معه ولما ذكرت اعتقد سيخرج اردوغان بمصالح بعيداً عن المبادئ والقيم مع احترامنا للرجل…

اما لماذا البشير وليس بومبيو او كوشنر او ترامب نفسه.. فصحيح ان هؤلاء يمكن أن يكون تأثيرهم اقوي بكثير من البشير لكن لكل دوره فالكل يتحرك وله حساباته الخاصة وان هناك ماهو من الافضل ان يرسل عبر صديق مقرب وليس صديق بعيد فنحن لانعيش في عالم مثالي بل مع قطيع اشبه بقطيع الذئاب فامثال ترامب ينتظرون الجرح ونزيف الدم من بلادنا لينقضو عليها بالنهب والسلب والابتزاز…فواضح ان البشير اكثر امانه في ايصال الرسالة الي تركيا من كوشنر وحتي ايفانكا فلاتاثير للفاتنة كريمة شيخ ترامب عند المحترم جداً الطيب اردوغان…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد