في المقال المعنون «ما لن تجده في مناهج التاريخ المصرية: ثورة المسيحيين عام 831م» يتخذ الكاتب موقف المعجب المنبهر والمؤيد قلبًا وقالبًا للبشموريين في (ثورتهم المسلحة)، متغافلا ومتجاهلا – في حكمه بأحقيتهم في الثورة – لعدد من النقاط التي نأتي عليها في هذا المقال، وقد بدا الكاتب متخذًا موقفًا هو أبعد عن الإنصاف والبحث التاريخي المنصف، فهو مثلًا لم يشر إلى أي مرجع معتمد اللهم إلا سطرا من تاريخ المقريزي، وتقريرا لكاتبة رواية البشرودي سلوى بكر منشورا بصحيفة البديل، وحكما أصدره عماد جاد، الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وعضو مجلس النواب المصري، مفاده أن ديمغرافية الدلتا وشمال مصر قد تأثرت بهذه الثورة حتى لم تعد تمثل نسبة النصارى في هذه المنطقة أكثر من 3%، وكأنه يغمز من طرف خفي بأن المأمون قد صنع لهم مقتلة عظيمة.

الأمر الآخر العجيب أنه يذكر إحصائية مفادها أن عدد الأسرى بلغ 500 فرد، وعدد الذين تم نفيهم من البشموريين إلى بغداد بلغ 3000، ومات الكثير منهم في طرق السفر، وهذه الإحصائية وسقوط القتلى في طرق السفر لم يذكرها أحد فيما رجعت إليه من مصادر (وهي مبينة أسفل المقال)، ولا ذكرها حتى ساويرس بن المقفع، فعلى كاتب المقال أن يذكر لنا مصدر هذه الإحصائية، لكن إذا عرفت أن سلوى بكر قدرت في روايتها (البشموري الجزء الثاني، ص 211) عدد الأسرى بثلاثة آلاف، لم تملك نفسك أن تتأفف مما فعله كاتب المقال، إذ يعمد إلى رواية أدبية ويجعل منها مستندًا تاريخيًّا.

كما أن الكاتب يستخدم عبارات واسعة حين يذكر مثلًا أن المؤرخين يقولون، والمؤرخين يذكرون، دون ذكر لأي من هؤلاء المؤرخين ولا مؤلفاتهم التاريخية، ومن ذلك مثلا قوله: «يصف المؤرخون العرب البشموريين بأنهم أكثر توحشًا وتعنتًا من سائر سكان مصر، وقد أقلقوا السلطات؛ فهم من ناصبوا العرب العداء سبع سنوات بعد سقوط الإسكندرية في أيدي عمرو بن العاص، وأول من قاموا بإعلان الثورة ضد جباة الضرائب». وطبعا هذه اللغة لغة حديثة جدًّا يستحيل معها أن يكون النص المقتبس لأي من المؤرخين القدامى، ولعله اقتبس من بعض الباحثين المحدثين، الذي عليه هو أيضا أن يخبرنا مصدر تلك المعلومة.

أما عن ورود الواقعة في كتب التاريخ الإسلامي، فأقدم مرجع تاريخي ذكر الواقعة هو تاريخ اليعقوبي، فقد ذكر أنهم ثاروا على عمال الخليفة المأمون سنة 215هـ، وحاربهم الأفشين وكف عاديتهم، ثم عاودوا المعصية، فحاربهم الأفشين مرة أخرى، ثم قال (3/ 192، 193): «واشتدت شوكة من كان يحارب الأفشين بمصر من أهل الحوف والبيما والبشرود، وهي من كور أسفل الأرض، فخرج المأمون إلى كور مصر، وقدم الأفشين في محاربة أهل الحوف، فزحف إليهم بنفسه، فقتلهم وسبى البيما، وهم قبط البشرود، واستفتى في ذلك فقيها بمصر يقال له الحارث بن مسكين مالكي، فقال: إن كانوا خرجوا لظلم نالهم، فلا تحل دماؤهم وأموالهم، فقال المأمون: أنت تيس ومالك أتيس منك، هؤلاء كفار لهم ذمة، إذا ظُلموا تظلموا إلى الإمام، وليس لهم أن يستنصروا [بأسيافهم] ولا يسفكوا دماء المسلمين في ديارهم. وأخرج المأمون رؤساءهم، فحملهم إلى بغداد».

وليس في هذه الرواية ذكر لقتل الرجال وبيع النساء والصبيان، وغاية ما فيها أن المأمون أخرج رؤساءهم إلى بغداد، وإذا علمت أن العرب القيسية واليمنية تمردوا بالحوف، وأبوا إنهاء تمردهم مقابل الأمان، وأن المعتصم قاتلهم وظفر بهم (وأسر منهم خلقا عظيما حملهم إلى بغداد)، كما يقول اليعقوبي نفسه (3/ 191)، علمت أن من يجعل الأمر اضطهادًا للنصارى كاذب مغرض، مجاف للحقيقة غير عادل.

وأما الطبري الذي عاصر اليعقوبي فقد ذكر أن أهل البيما، وقد سبق في رواية اليعقوبي أنهم قبط البشرود، نزلوا بأمان على حكم المأمون، وليس هنا أيضا ذكر لقتل ولا بيع (انظر: تاريخ الطبري 5/ 184).

وتفيد رواية الطبري في أن المأمون دعا المتمردين إلى إنهاء عصيانهم ويمنحهم الأمان، ويوكد هذه الرواية رواية ساويرس بن المقفع؛ إذ يذكر أن اثنين من البطاركة طلبا من المأمون الوساطة لإقناع البشموريين بإنهاء التمرد المسلح، فوعدهما المأمون بأنهم إن أجابوا «فأنا أفعل معهم الخير في كل ما يطلبونه مني، وإن تمادوا في الخلاف فنحن بريئون من دمائهم» (تاريخ البطاركة 2/ 825)، لكنهم أعلنوا التمرد، وأخذوا يقتلون كل يوم جماعة، كما يحكي ساويرس بن المقفع، مما جعل المأمون يشن ضدهم حربًا شديدة، ولو صدقت رواية ابن المقفع فليس لكاتب المقال إلقاء اللوم على المأمون والتباكي على البشموريين الودعاء اللطفاء وهم الذين انتهجوا العنف المسلح ورفضوا التظلم لدى المأمون، وهو المعروف بالكرم والعفو والحكمة، فوقد وصفه المقريزي في كتابه (السلوك لمعرفة دول الملوك) (1/ 118) بأنه «كان كريمًا عفوًا، فاقتدى الناس به في أحواله كلها»، بل إن ساويرس بن المقفع شهد للمأمون وقال في حقه: «وكان الأفشين بمصر ينتظر جواب ما كتب به إلى المأمون بسبب أهل البشمور، وكان المأمون رجلًا حكيمًا في فعله، ويبحث عن مذهبنا، ويجلس عنده قوم حكماء، يفسرون له كتبنا، وبهذا الحكم كان محبًّا للنصارى» (2/ 822، 823).

ومن الأخطاء التاريخية التي وقع فيها كاتب المقال أن شدة الثورة دفعت المأمون إلى أن «جهز قوة عسكرية كبيرة وزحف من بغداد بنفسه ليخمد الثورة التي لا تنطفئ»، ولعل الكاتب – إن أحسنا الظن به – اعتمد رواية ابن إياس، فهو الذي ذكر خروج المأمون من بغداد على رأس عساكره (بدائع الزهور 1/ 148)، بينما تكاد المصادر تُجمع على أن المأمون كان في غزو الروم وعاد من أرض الروم إلى دمشق ومنها إلى مصر (راجع مثلا: النجوم الزاهرة 2/ 217، وتاريخ مدينة دمشق 6/ 371، واليعقوبي 3/ 192).

من فبركات الكاتب

لم يكتف الكاتب بإيراد كل ما شذ في مقاله هذا، حتى ذهب يعمل خياله في تلفيق بعض الأحداث، ونسج الأساطير حولها، ومن ذلك ادعاؤه أن المأمون حين أصدر أمره بنفي البشمور كاتبوا المأمون يعلمونه بأن «الوالي كان يرغمهم على دفع جزية لا يستطيعون تحملها، وكان يسجنهم ويربطهم إلى الطواحين ويضربهم ضربًا مبرحًا ويضطرهم إلى طحن الحبوب كالدواب تمامًا، وعندما كانت تأتي نساؤهم إليهم بالطعام، كان خدمه يأخذونهن، ويهتكون عرضهن. وكان رد المأمون على تلك الرسالة أنه غير مسؤول عن سياسة ولاته؛ لأنه لم يمل عليهم هذا الموقف الذي اتبعوه، وأنه لم يفكر قط في إرهاق الناس، وقال: إذا كنت قد أشفقت على الروم وهم أعدائي، فكيف لا أشفق على رعيتي؟».

وأنا أتحدى الكاتب أن يذكر المصدر الذي ذكر تلك الواقعة! هذه الوقائع حكاها ابن المقفع أثناء سرده للأحداث وهو يحكي ما تعرض له البشمور من ظلم، على سبيل الحكي والسرد، ولم يكن ذلك في معرض مكاتبات للمأمون من قبل البشمور، بل قمة التلفيق ما ذكره من هتك أعراض نساء القبط، وهو الأمر الذي لا يعرفه ابن المقفع نفسه، وإلا لكان ذكره لنا! فمن العيب أن يتدخل كاتب المقال لإضافة البهارات من عند نفسه لتأجيج مشاعر الناس، ولعل كاتبًا نصرانيًّا لن يزيد على ما فعله هذا الكاتب إذا أراد تأجيج مشاعر الأقباط تجاه المسلمين.

موقف الكنيسة من الثورة (الخروج على الحاكم)

سأستخدم العنوان نفسه الذي استخدمه كاتب المقال، وأبين كذب ما ادعاه في عدة نقاط:

يرى الكاتب أن «المأمون وظف بذكائه عنصرًا جديدًا ليقلب المعادلة»، ويعني بذلك استخدامه للكنيسة التي اتخذت، حسب تعبيره، موقفًا مؤيدًا للحاكم العربي، وأن المأمون «بفطنته يعرف سهولة استخدام الكنيسة ضد الثورة، فاصطحب معه في رحلته الأنبا ديونسيوس البطريرك الأنطاكي، وفور وصوله إلى مصر، استدعى الأنبا يوساب الأول بطريرك الأقباط؛ كي يشجبوا الثورة في مرسوم، فيضعف تأييد الشعب القبطي لها». وهذا الذي ذكره الكاتب يحتاج إلى وقفات:

فبداية، هذا اتهام للكنيسة بالفساد، ولسنا معنيين بالدفاع عنها، وإذا أرادت هي الدفاع عن نفسها، فلتفعل.

ما يعنينا في هذه النقطة أن استعانة المأمون بالبطريرك الأنطاكي ديونسيوس وبطريرك الأقباط يوساب غير ثابتة في كتب التاريخ الإسلامية، ولا ذكر لاصطحاب المأمون للبطريرك الأنطاكي معه في جيشه، وأول ذكر لهذا الكلام في القرن العاشر الميلادي على يد ساويرس بن المقفع المتوفى 987م في كتابه تاريخ البطاركة (2/ 822، 823)، ومما يجعلنا نشكك في هذه الرواية، أن ساويرس بن المقفع يعود فيذكر أن البطريرك ديونسيوس بعد انتصار الأفشين على البشموريين وحكم المأمون بنفي الأسرى إلى بغداد، ذهب يسأل عن سبب نفاق البشمور (أي: تمردهم)، مع أن ديونسيوس هذا كان من المفاوضين للبشمور ليفضوا نزاعهم (2/ 828).

وما يجعلنا نرفض روايات ساويرس بن المقفع وخصوصًا ما انفرد به، ولم يأت له ذكر في كتب التاريخ الإسلامية، أنه يخلط مثلا في اسم المعتصم (وهو محمد، ويكنى أبا إسحاق)، فيذكره باسم (الملك إبراهيم)، ولم يذكر لقبه المعتصم ولا مرة، ولعل منشأ الخلط في اسمه أن عم المعتصم، وهو إبراهيم بن المهدي أخو هارون الرشيد، يكنى أبا إسحاق، مما يعني أنه اعتمد على وثائق وكتب غير دقيقة.

وأما ما ذكره الكاتب من استدعاء المأمون ليوساب بطريرك الأقباط، ودعوته لشجب التمرد هو وديونسيوس في مرسوم، فرواية ابن المقفع على خلافها، فهي تنص على أن الأنبا يوساب لما علم بوصول المأمون وبصحبته الأنبا ديونسيوس «جمع الأساقفة وسار إلى فسطاط مصر ليسلم عليه كما يجب للملوك» (2/ 823، 824)، وأخبر ديونسيوس المأمون بما كان من مكاتبة يوساب للبشموريين لإنهاء العصيان، وأرسلهما المأمون وسيطين إلى البشموريين لإنهاء العصيان، والمأمون من جهته يفعل الخير في كل ما يطلبونه، وإن تمادوا فهو بريء من دمائهم، ففشلت وساطة البطركين، وقتل البشموريون عددًا من الجنود، مما جعل المأمون يعبئ الجنود لمواجهة كاسحة، فلم نر في هذه الرواية استدعاءً ليوساب ولا شجب التمرد في مرسوم، ولا أيًّا مما ذكره الكاتب.

ويبلغ التدليس مداه حين يقول كاتب المقال: «لكن إزاء خطابات البطريرك يوساب، التي حاول أن يقنعهم فيها بضعفهم أمام قوات الخليفة، وضرورة أن يعلنوا استسلامهم». فهو يوهمك أيها القارئ أن البطريرك يوساب أرسل إلى (الثوار) خطابات بناء على تعليمات من الخليفة، لكن دعنا نرى ما أورده ابن المقفع؛ إذ لم يرد لذلك ذكر في المصادر الإسلامية.

يورد ابن المقفع في تاريخه أن الأنبا يوساب لما وجد البشموريين (الأشرار، كما يرى) انتهجوا سبيل العنف وحملوا السلاح، أرسل إليهم ليتركوا محاربة السلطان لئلا يهلكوا أنفسهم لأنهم لا قبل لهم بمقاومة السلطان، وأرسل إليهم الرسائل، غير أنهم وثبوا على الأساقفة ونهبوا ما معهم، وحمدًا لله أن الأمر وقف عند هذا الحد، فقد ذكر أن كل من ذهب ليتوسط ويقنعهم بالرجوع عن انتهاج العنف قتلوه (2/ 813 – 815)، وكانت هذه الخطابات قبل مجيء المأمون إلى مصر؛ فقد سبقت الإشارة إلى أن ديونسيوس أخبر المأمون بما كان من مكاتبة يوساب للبشموريين لإنهاء العصيان، وأن المأمون استحسن ذلك منه.

أرى أن المقال قد طال، ولم أستوعب كل ما ورد بالمقال السالف الذكر، ولعلي أكمل الموضوع في مقال آخر، أسأل الله تعالى التيسير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد