باسل الأعرج شاب فلسطيني درس الصيدلة، ثم عاش الثورة بلسانه وقلمه محفزًا وداعيًا إلى اشتعال نيران ثورة فلسطينية عامة على الاحتلال الإسرائيلي، فنالته يد الغدر من أبناء وطنه عندما طاردته السلطة الفلسطينية، ثم طاردته بعد ذلك قوات الاحتلال، إلى أن اعتقلته أجهزة السلطة في عام 2016.
أعلن الإضراب عن الطعام هو ورفاقه المحتجزون في سجون السلطة، وأرسل رسالته من خلف الأسوار حينها التي ذيلها بقوله: «هيهات منا الذّلة».
وبعد أن أفرجت السلطات الفلسطينية عن باسل ورفاقه، ولأن التعاون وثيق بين سلطة كامب ديفيد وبين الاحتلال الصهيوني، ولأن التنسيق بينهما في أعلى صوره؛ فقد طاردتهم قوات الاحتلال فاعتقلت بعضهم، وظل باسل مطاردًا من حينها.
قامت قوات الاحتلال باقتحام منزله كثيرًا وهددت بهدمه، إلى أن استطاعت أخيرًا محاصرته في منزل من المنازل، وقذفت المنزل بالقذائف، ثم رمت باسل بوابل من الرصاص فأردته قتيلًا، وهو ممسك ببندقيته يرميهم كما يرمونه.

باسل مثال لكثير من شباب العرب عمومًا، وفلسطين خصوصًا، هؤلاء الشباب الذين أشغلوا أنفسهم بالجانب الثقافي والإعلامي والتوجيهي في قضية التحرر الوطني من قبضة الاحتلال الخارجي، والتحرر السياسي من قبضة ديكتاتورية وفساد الأنظمة الحاكمة.
لكن باسل كان يحمل رأيًا مغايرًا، فلا يغني عنده حمل القلم عن حمل البندقية، ولا صرير القلم عن دوي القذائف، ولا دفعات الحبر عن دفعات الرصاص.
باسل مثال سامٍ لما يجب أن نكونه نحن الباحثين عن دور لنا في قضية النضال الوطني من خلف أوراقنا وأقلامنا ولوحات أجهزتنا الحاسوبية.
الكتابة والثقافة والإعلام لها دور كبير في معركتنا، لكنه الدور الذي لا يغني عن الدور الأكبر حينما ينادي المنادي «حي على الفلاح، حي على السلاح، حي على الثورة».
لقد أكد باسل ما كان قد وثّقه الدكتور نزار ريان من قبله، فقد كان الدكتور نزار ريان هو الشيخ العالم الفقيه القائد السياسي، الذي لم يمنعه كل ذلك من حمل بندقيته، والوقوف مع المرابطين بسلاحهم كواحد منهم، فكان أن قدم الصورة الأمثل لأولئك الذين يمارسون الثورة والكفاح بكل صوره، بالكلمة واللسان والتوجيه والبندقية.

يقول باسل في وصيته: «أدعو الله أن ألاقيه بقلب غير مدبر».
لأول مرة ألتفت إلى أن الإدبار والإقبال إنما هما في حقيقتهما الكبرى من أعمال القلوب، فكم من مقبلٍ بجسده مدبر بقلبه، وكم من مدبرٍ بجسده مقبل بقلبه، وشتّان.

ويقول باسل في وصيته: «كم من الصعب أن تكتب وصيتك».
بل كم من الصعب أن نقرأ نحن القاعدون الراكنون إلى الدنيا لوصية كتبها مجاهد مثلك، لقد سجلت اسمك في سجلات الأعلام لمجاهدي ومناضلي هذه الأمة يا باسل، ونحن ما نزال في سراديب القاعدين، وما تزال أسماؤنا في سجلاتهم.

ويقول باسل في وصيته: «منذ سنين انقضت وأنا أتأمل كل وصايا الشهداء التي كتبوها،لطالما حيرتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختذلة فاقدة للبلاغة».
وأي بلاغة أخي الشهيد أبلغ من الشهادة، لقد سطرتم أنتم أيها الشهداء أبلغ صفحات تاريخنا، البلاغة التي تعجز عن حقيقتها أبلغ الكتابات وأصدح الهتافات وألحن الألسن، أنت نفسك يا باسل قد عدت وبيّنت عندما قلت في وصيتك بعد ذلك: «يا ويلي، ما أحمقني، وهل هناك أبلغ من فعل الشهيد».
ليس هناك أبلغ منكم أخي باسل، لا فعلًا ولا حتى قولًا، فإن الأقوال التي نصدرها نحن الفارغون في الهواء بلا سند من واقع وحياة هي أسخف الأقوال حتى وإن صيغت في لباس لغوي أنيق وبليغ.
يقول باسل في وصيته عن وصايا الشهداء عندما تأتي مختصرة سريعة فاقدة للبلاغة: «لا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة»، ثم يقول: «وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيًا قد وجدت أجوبتي»، ثم يرمي إلينا: «هذا سؤالكم أنتم الأحياء، فلماذا أجيب أنا عنكم، فلتبحثوا أنتم، أما نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله».

وصيتك عجيبة يا باسل، فكل وصايا الشهداء تخرج كلماتها لتعبر عن حالة حيّ يكتب كلماته تحسبًا لنيله الشهادة، أما أنت فوصيتك وصية شهيد كأنما يتحدث بعد شهادته، أو وصية حيّ يعلم أن مصيره الشهادة لا ريب، ويسعى لذلك بكل صدق وثقة.

رحمات الله عليكم أيها الشهداء، ورحمات الله عليك يا باسل، أيها الشهيد البليغ، الذي نادى في كل مثقفي أمته: أيها المثقفون، البندقية أفصح لسانًا، وأن تستعينوا بأقلامكم وأوراقكم على شحذ الهمم للثورة الفعلية فهذا هو المقبول والمطلوب، أما أن تتواروا خلف أقلامكم وأوراقكم عجزًا وخورًا، فهذا هو ما لن تخدعوا أمّتكم به، وما لن تخدعوا أنفسكم من قبل به، وما لن تخدعوا ربكم من قبل ومن بعد به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد