السادس من مارس 2017، هذا التاريخ الذي لن يُنسى، وسيؤطَّر في الذاكرة الفلسطينية شاهدًا ثابتًا على عملية اغتيال المثقّف المقاوم باسل الأعرج، السادس من مارس 2017 هو تاريخ اليوم الذي ارتقى فيه الأعرج شهيدًا بوابل من الرصاص اخترق جسده بعد معركة طويلة خاضها مُشتبكًا مع الاحتلال. نعم، اخترق الرصاص جسد باسل فأسلم روحه لله تاركًا لنا أثرًا عظيمًا، ووصية من بضع كلمات يقول لنا فيها:

«لكم من الصعب أن تكتب وصيتك، ومنذ سنين انقضت وأنا أتأمل كل وصايا الشهداء التي كتبوها، لطالما حيرتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختزلة فاقدة للبلاغة ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة، وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيًا مقتنعًا وجدت أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد، وكان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهورٍ طويلة إلا أن ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء، فلماذا أجيب أنا عنكم فلتبحثوا أنتم أما نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله».

إنّ وصية باسل هذه تُشبه كلّ وصايا الشهداء، مختصرة سريعة مختزلة، والأهمّ من ذلك كلّه أنّها لا تشفي غليلنا نحن الأحياء –على حدّ وصف باسل- في بحثنا المضني عن إجابات حول أسئلة الشهادة. ولكن كيف يُمكننا نحن الأحياء أن نعثر على إجابات لن تتوفّر لنا إلا إذا بلغنا من الفصاحة والبلاغة ما يُمكننا من الإقدام على فعل الشهيد، الشهيد الذي يعثر على أجوبته كلّها في مراحل ترقِّيه بعد فعل الشهادة؟

إذن، لا إجابة عن السؤال السابق سوى اليقين المطلق بأنّنا بالفعل وحده سنصل إلى الإجابة.

في السادس من مارس من كلّ عام سنحيي نحن الأحياء ذكراه، سنستذكر وصيته وسنعيد النظر في سؤال الشهادة، وسنصل إلى الإجابة الصوفية ذاتها، وأننا بالفعل وحده سنصل إلى الإجابة، لكن لا أحد منا سيتجرّأ على الفعل، بل لا أحد منا سيتجرّأ على البحث في ما وراء الفعل.

لكن لماذا نفتقد الجرأة على البحث في ما وراء فعل الشهيد؟ سيجيبُ البعض لأننا بذلك نحوّل الشهيد إلى ظاهرة وموضوع للدراسة، فالشهادة والشهيد مقدّسان ولا يجب تدنيسهما والبحث فيهما كموضوع.

أما أنا فسأنتمي هنا إلى البعض الآخر، ذاكَ الذي يعتبر أنّ البحث في بواعث الشهيد ودوافعه لا يحوّله لموضوع؛ بل يتعامل معه كذات لها خصوصية يقيمُ معها حوارًا وجوديًّا تخبره فيه عن أفكارها في الكون والوجود والحياة.

وسأنطلق في بحثي هذا من باسل كذات مثقفة واعية، بدايةً، وبغض النظر عن تعريفات المثقف الكثيرة وتعدد أنماطه، فإنّ ذات باسل الأعرج الحاملة لمبادئ قضية مشروع تحرّري أساسه الصمود والمقاومة تحيلنا إلى مفهومي «الفكر الملتزم» «والمثقف الملتزم»، فالفكر الملتزم هو الذي «يتعامل بجدية مع التبعات الأخلاقية والاجتماعية التي يتضمنها من جهة، ومن جهة أخرى يعترف بلزوم الوفاء لمشروع تبنى مبادئه وغالبًا ما يكون جماعيًّا»[1]. والمثقف الملتزم هو «المفكّر الذي ينخرط في الممارسة الجماعية انطلاقًا من الاعتقاد في إمكانية تحقيق القيم والمبادئ التي يتبناها، كما أنّه يكون على استعداد لتحمل نتائج انخراطه ذاك»[2].

وإنّ المثقف الملتزم ينطلق من وفائه للمشروع الذي تبناه من فكر نظري يقوم فيه بتحليل الواقع، ورسم بدائل له، وتحديد ملامحه التي ينبغي أن يكون عليها، وهو بذلك يؤمن بصحة أفكاره ووجاهة القيم التي يتبناها والتي ينبغي على أساسها تغيير هذا الواقع، ولكن التراجيديا التي يقع بها المثقف هي عدم توفّر الوسائل اللازمة لتحقيق هذا التغيير، والتي ينبغي أن تكون مفرزة من الواقع نفسه. فهذه التراجيديا التي يقع فيها المثقف الملتزم سببها الأساسي هو ذلك التنافر بين نظام الغايات (الفكر)، ونظام الوسائل (الواقع)[3].

وباسل الأعرج كنموذج للمثقف الملتزم، وكحامل لقضية مشروع وطني تحرري، وجد نفسه يعيش وسط واقعٍ مزرٍ ومنظومة اجتماعية تُعقلن الهزيمة، «وعقلنة الهزيمة»[4] هي إضفاء طابع العقلانية عليها، والرضا بالعيش تحتها، والبحث عن مبرّرات للتعايش معها بدعاوى الواقع المفروض أو السائد المستمرّ الذي لا مفرّ منه، فالمنظومة الاجتماعية التي أفرزتها أوسلو وكلّ مشاريع التسوية التي تبعتها هي منظومة مرتهنة صاحبة أهداف استهلاكية، واقتصادية بعيدًا عن الأهداف الوطنية والنضالية، وهذه المنظومة الاجتماعية في اتجاهها نحو الاستهلاك وتحسين أنماط العيش، وبعدها عن اتجاه النضال إنّما تنحو منحى تُعقلِن فيه الهزيمة؛ أي أنّها تُعقلن الحياة الذليلة المهزومة التي تحياها تحت الاحتلال، وتُعقلن كافة أنواع الاضطهاد التي تتعرّض له بصورة يومية دائمة، دون أن ترى في هذا النمط من العيش تحت الاحتلال أي نوع من أنواع الموت المعنوي أو الوجودي، ومع افتقار هذا الواقع لوسائل تغيير يُمكن من خلالها الانخراط في ممارسة جماعية لتحقيق هدف التحرير التجأ باسل إلى شكل الممارسة الفردية، وإنّ هذه الممارسة الفردية التي جاءت في شكل اشتباك فردي مع العدو كانت طبيعية لذات باسل التي رفضت أن تُعقلن الهزيمة، فكان لا بدّ أن يأتي انفلاتها من بنية الرضوخ للاحتلال، والارتهان له في هذا الشكل من العنف الثوري الذي يتغلب من خلاله على خوفه من الموت.

فالموت بالنسبة لمن رفض عقلنة الهزيمة يُصبح أمرًا طبيعيًّا؛ بل دافعًا يتجاوز اللاشعور إلى منطقة الوعي، ليُصبح برنامجًا محفّزًا يتحدى عبره الموت والمحتّل معًا، وبعلاقة المستعمِر- المستعمَر يكون هذا التحدي رمزًا معنويًّا لوجود جديد يخلقه المستعمَر بعيدًا عن التوتر الوجودي الذي كان يعيشه في مرحلة الرضوخ والإذعان والتطويع الذي طالما مارسها المستعمِر عليه[5].

أخيرًا، فإنّ لمهدي عامل مقولة تُمثّل أيقونة وشعارًا لكلّ الرافضين لمشاريع عقلنة الهزيمة، يقول فيها: «لستَ مهزومًا ما دمتَ تُقاوم»، فبهذه المقولة يخرج علينا باسل الأعرج وغيره من الشهداء في كلّ حين، ويخاطبوننا بخطاب السخرية: أنتم الأحياء عليكم أن تبحثوا بأنفسكم عن أجوبة حول أسئلة الشهادة، فنحن وجدناها في اللحظة التي تخلينا فيها عن عقلنة الهزيمة، فخلقنا بتحدينا للموت والمحتّل رمزًا لوجودنا المعنوي الجديد، وتركناكم أنتم –في ظلال موتكم المعنوي- تحيون وتبحثون عن الإجابة!


[1] منوبي غباش، حول دور المثقف، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، 2015، ص9.

[2] المرجع السابق، ص9.

[3] المرجع السابق ص9-10.

[4] مصطلح مأخوذ من محاضرة الأستاذ خالد عودة الله، بعنوان: الشهادة والشهيد: قراءة فلسفية وجودية، على الرابط

[5] بلال عوض سلامة، العمليات الاستشهادية الفلسطينية: تطور الجسد كأداة مقاومة، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد441، 2015، ص68.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد