لن تجدي الكلمات في رثاء المثقف الثائر باسل الأعرج فكل كتابة عنه ستكون ناقصة؛ لأن قضيته لم تكتمل بعد، ولن تجدي الحروف في التعزية ولا العبارات الحزينة في الإسهاب في فلسفة استشهاده فقد اختار باسل بين التساقط أو الارتقاء شهيدًا، وقد أحسن الاختيار.

للبطولة طعم آخر في اللحظات الحاسمة يكاد باسل الأعرج أن يتفرد بين أبطال الشعب الفلسطيني وقد جاء في ذروة الانهيار ليعلن أن الشعب الذي تحفر القبور لدفن قضيته ما زال مفعمًا بالحياة، وأن مقولات اليأس الرسمية ليست أكثر من رماد يواري الجمر المتقد في أعماق الشعوب.

ورغم عمره القصير صنع باسل الأعرج الكثير فقد أدرك منذ البداية أنه يسابق الزمن حين قرر العمل على نسف جذر الهزائم التي عملت عليها التسويات السياسية المزعومة، التي لاحقت الشرفاء أمثال باسل وغيره من الأبطال الذين تربوا على ثقافة لا يمكن أن تمد الأيدي لتصافح القاتل، والقدس أنبتت الجراح زهورها ثأرًا وإن تسقى الخيانة تذبل، هذا التراب مضمخ بدمائنا فكيف يباع لجند الباطل!

لم ولن تنتهي قوافل الشهداء فرياح الجنة تطيب لها نفوس العاشقين كلما وطئ أرض المحشر عدو وغريب، فهم قدر الله الذي يبعث فينا جذوة الإحساس أن لا خلاص إلا بالقلم والرصاص لقد كان باسل مثالاً لدور المثقف الشاهد، الذي يشهد على التاريخ وعلى الظلم، فيتمرد على الواقع ويشكك في الأفكار السائدة. أفكار الهزائم التي منينا بها حتى ركنت الكثير من النفوس لسقط المتاع! لم يقبل باسل أن ينكفئ على نفسه لأنه يدرك تمامًا أن من يفعل ذلك يخون قضيته يخون الشهداء والثكالى، وهذا تمامًا ما يميز المثقف الثائر الذي يعي تمامًا أن الصدام مشروع انحسار للعدو ومواجهة لا تخبو ولا تنحصر في البندقية وإن كانت البندقية أبرز تجلياتها، مواجهة شاملة على مساحة الوطن المغتصب لمنع تزوير التاريخ والجغرافيا وكي الوعي.

جاء استشهاد باسل ليقول لنا أن الانكفاء مشروع خاسر لم يعد يجدي نفعًا السكوت على فعل الاحتلال المستطير في طمس الهوية والأرض والإنسان.

استشهد باسل فتعلمنا منه أن المقاومة بالكلمة والبندقية لا ترتبط بلحظة عابرة، ولكنها روح متقدة تسري تبحث على امتداد الوطن للمتشابهات فيه فينتظم العقد، وهذا ما عمله باسل ورفقته في تشكيل جبهة وطنية تعيد المسار إلى طبيعته. وما زال المتدفقون يكملون المسير.

استشهد باسل وما زال السؤال قائم: لِمَ خذلناه؟ لماذا تمت ملاحقته؟ لماذا سجن ورفاقه؟ إلى متى ستبقى الضفة مستباحة؟ متى سينتهي نفق أوسلو المظلم؟

استشهد باسل المثقف الثائر فأين المثقفون الثائرون؟ الذين ينتقدون الباطل ويسعون للتغيير، ما أحوجنا إلى إعادة تعريف المثقف ليخرج بذلك أولئك الذين يدافعون عن ثقافة الهزيمة ويساقون كالقطيع في ردحات المشاريع المشبوهة حتى غدو عبئًا على كاهل الشعب.

في هذه اللحظة التاريخية فلتلتئم الجهود؛ لدعم كل جهد يدافع عن الثقافة الوطنية وأخص بالذكر لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية، والتي أطلقتها مجموعة من المثقفين والأكاديميين وعلى رأسهم الدكتور عبد الستار قاسم من أجل إعادة الاعتبار لثقافة المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني.

الثقافة الوطنية في خطر بكل تجلياتها وفروعها الأدبية والفنية والتراثية والحضارية، الثقافة الوطنية في خطر لأنها العنوان الأبرز والأهم في تشكل الهوية والشخصية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني وهي خط الدفاع المتقدم عن الأهداف الوطنية الكبرى.

الثقافة الوطنية في خطر لأنها أصبحت منساقة مع الرواية الإسرائيلية، أو على الأقل أصبحت تحت إمرتها، فما عادت قادرة لمواجهة الرواية الصهيونية الإسرائيلية التي تحاول طمس الثقافة الفلسطينية العربية، وسرقة مخزونها وموروثها التاريخي بكل مكوناته، ولم تعد هذه الثقافة حاملة راية الرواية الفلسطينية، وناقلة أمينة لها عبر الأجيال المتعاقبة، استشهد المثقف الثائر فهل وعينا الدرس؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد