قد يجهل الكثيرون – وخاصة البعيدين عن الشارع الفلسطيني وأخبار المقاومة، أعني بذلك معظم الشعب العربي المشغول، وليس لديه وقت سوى لمتابعة أخبار الفن، ومن تزوج منهم، ومن انفصل وغيرها من الأخبار التي لا تعني سوى تلك السذاجة واللامبالاة التي أصبحنا عليها، فلم نعد نشعر بأي شيء، نصم الآذان عن أي نداء للاستغاثة، ونغمض الأعين عن أي جائع ومشرد، فقدنا كل حواسنا أصبحنا نجهل هويتنا، أصبحنا نعيش في موجة من التيه والعشوائية، في وسط كل ذلك نجد ذلك الجثمان الذي يشيعه المشيعون، ومن يتميز بالفضول، سيسأل من باب السؤال فقط: من هذا الذي تشيعونه؟ وماهذه الأعداد الكبيرة خلفه، فذلك بطلنا الشاب المثقف – باسل الأعرج، مهلًا ومن ذلك الباسل؟

باسل الأعرج ذلك الناشط الفلسطيني الذي حمل البندقية والكتاب، ورفض ذلك الاحتلال، أراد أن يقاوم من أجل تراب بلاده في زمن أصبحت المقاومة من أجل الوطن إرهاب، أبى أن يصمت، والأقصى جريح، أبى أن يصمت والنساء والأطفال تقتل، أبى أن يصمت وهناك طفل يبكي لفقدان أبيه أو أمه او أخيه أو اخته، أبى أن يصمت وقبة الصخرة تبكي من الحسرة، أبى أن يصمت حتى لا يمنع الأذان، أبى أن يصمت حتى يعيش كريمًا، أبى أن يصمت حتى لا يذبل شجر الزيتون، أبى أن يصمت حتى يموت شهيدًا، وقد أكرمه الله بها، فهنيئًا لك يا شهيد!

ذلك الشاب الذي يحق لقرية الولجة أن ترفع رأسها به؛ فهو ابنها، تربى فيها، وهي قريبة من بيت لحم، وكمثل الكثير من أبناء بلاده، احتضنته مصر في مرحلة تعليمه الجامعي؛ فتعلم في إحدى جامعات مصر بكلية الصيدلة في ذلك الوقت، أصبحت المقاومة الفلسطينية تقل، فأراد أن يوقظ تلك الأنفس النائمة، ويلفتهم إلى أن بلادهم ما زالت محتلة، بان كتب عليهم هم النضال؛ لأنهم أبناء تلك الأرض المقدسة التي يطمع فيها الطامعون الذين لا يفهمون شيئًا سوى الغزو والاستعمار.

يريد أن يقوي نفوسهم، يذكرهم بتاريخ الأمجاد، لطالما حمل الكتاب، وهتف في الناس يروي عليهم قصص الأبطال، عسى أن يخرج من أنفسهم تلك الأبطال، ولذلك النشاط أصبح باسل مطاردًا في بلاده، ولا أستطيع أن أعي كيف لتلك السلطة الحاكمة أن تكون ضد أبناء شعبها، ضد أبنائها، تعتقلهم وتهددهم، فأضرب باسل ورفاقه عن الطعام؛ فأفرجت عنهم السلطة، ولكن الاحتلال قد اعتقل بعضًا من أصدقائه، ولكن باسل أصبح مطاردًا من قبل قوات الاحتلال، ولقد جالت قوات الاحتلال تبحث عن ذلك البطل المثقف، وكيف قامت بتصفيته بعشر طلقات نارية اقتحمت معظم أجزاء جسمه، فرحم الله ذلك البطل الشهيد الذي أبى أن يصمت عن الظلم، بل قال كلمة حق فى وجه سلطان جائر، ولم تكتف سلطات الاحتلال بذلك، بل لم تسلم جثمان الشهيد، إلا بعد عشرة أيام من تصفية روحه الطاهرة، ولطالما نادى باسل بتوحيد صفوف المقاومة، لذلك لم ترفع في جنازته سوى الأعلام الفلسطينية، أعلام الوطن الواحد – رحمه الله رحمة واسعة – افتقدت تلك الأرض المباركة تلك الروح الطاهرة، وعاد الأقصى لجرحه، وستعود قبة الصخرة للبكاء، وكتب البطل الشهيد وصيته قائلًا: تحية العروبة والوطن والتحرير، أما بعد، إن كنت تقرأ هذا فهذا يعني أنّي قد مت، وقد صعدت الروح إلى خالقها، وأدعو الله أن ألاقيه بقلبٍ سليم مقبل غير مدبر بإخلاص بلا ذرة رياء.

لكم من الصعب أن تكتب وصيتك، ومنذ سنين انقضت، وأنا أتأمل كل وصايا الشهداء التي كتبوها، لطالما حيرتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختزلة فاقدة للبلاغة، ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة.

وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيًا مقتنعًا وجدت أجوبتي، يا ويلي! يا لحماقتي! وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد، وكان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهور طويلة، إلا أن ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء، فلماذا أجيب أنا عنكم، فلتبحثوا أنتم، أما نحن أهل القبور، فلا نبحث إلا عن رحمة الله.

رحمك الله رحمة واسعه وكان الله مع فلسطين، عذرًا لقد أزعجناكم، فلتعودوا لأخبار مباريات ريال مدريد وبرشلونة، ولتعودوا لمتابعة النجوم والنجمات، ولتعلموا أن أبطالكم من ورق، وأبطال المقاومة من ذهب. رحم الله أرواح الشهداء الأبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد