كنت أتصفح ساسة بوست كالعادة حتى وجدت عنوان مقالٍ أثار حفيظتي وهو عزيزي باسم يوسف، أين شاربك؟ وحين انتهيت منه قررت كتابة هذا المقال.

تحدثت من قبل عن باسم في مقال سابق وهذا قد يثير الشك أني أحد دراويشه, ولكن القارئ المدقق الذي قرأ المقالين اللذين ذكرت فيهما باسمًا سيعلم أني أناقش فكرة من خلال شخصه ولا أناقشه هو شخصيًا, فما أعبر عنه أكبر من الأشخاص, فكما قال كاتب المقال المشار إليه في البداية: “هناك ألف موضوع أهم من الحديث عن د. باسم يوسف – مع تقديرنا لشخصه .”–ولكنه أراد التعبير عن أمر معين من خلال مقاله كما أريد أنا.

 

لن أتحدث عن مواقف سياسية بعينها، ولا عن وقائع هاجم فيها كاتب المقال باسمًا, سأتحدث عما يخدم غرض المقال فقط.

هناك آفتان في مجتمعنا تفشتا بشدة بعد الثورة وما تلاها من أحداث دفعاني لكتابة هذا المقال, ألا وهما المزايدة والتطرف في الأراء.

أما عن المزايدة, سهلٌ للغاية أن أجلس في غرفتي وأن أكتب مقالاً أو منشورًا على الفيسبوك وأنا أستمتع بالتكييف وبعض الموسيقي الكلاسيكية الهادئة، وأن أكتب مقالاً يتفجر بالثورية وأن أهاجم الجميع وأصفهم بالتخاذل والخنوع ثم يصفق لي الناس على ثوريتي ورؤيتي الثاقبة, ثم لا شيء. هذا ما نراه دائمًا, مزايدات طوال الوقت.

وحتى لا أقع في الخطأ نفسه سأوضح أني لا أقصد كاتب المقال إطلاقًا بكلامي السابق, ولكني أراه مُزايدً قليلاً فقط. عندما تتحدث عن أن سلامة الأهل والسلامة الشخصية للفرد شيء غير مهم في مقابل الثورة والمبادئ وما إلى ذلك من شعارات رنانة فإن الأمر واحد من أمرين: إما أنك تزايد من أجل المزايدة, وإما أنك تعرضت للموقف نفسه وجاهدت وقاومت ولم تخف التهديدات. لا أعلم أي الأمرين هو الصحيح ولن أقفز لاستنتاجات, ولكن إن قمت بالأمر الثاني سأنحني لك احترامًا.

يا عزيزي ليس الكل مناضلاً لهذه الدرجة, ليس الكل مستعدًا للتخلي عن كل شيء في الحياة من أجل أمر سامٍ غير مضمون لا يتحرك إلا قلة لتحقيقه.

ليس الكل “مقطع بطاقته” هكذا. لك الحق أن تزايد هكذا إذا ادّعى أحدهم أنه يمتلك كل هذه المواصفات، وأنه سيضحي بكل شيء من أجل الحلم الأعظم, إذا قال أحدهم هذا الكلام ثم تراجع عنه من أجل سلامته وسلامة أهله فلك أن تزايد كما تريد, ولكن عندما تتحدث عن مقدم برنامج ترفيهي هادف قال مرارًا وتكرارًا أنه ليس بطلاً وليس قائدًا لأحد ولا يمثل سوى نفسه وبرنامجه فأنت تزايد دون وجه حق, باسم لم يكذب على أحد ولم يخدع أحدًا ولم يقل أنه بطل تآمر الجميع عليه كما ذكرت في مقالِك, لقد وضع باسم لنفسه توصيفًا دقيقًا ,أما من توقع منه أكثر وبالغ في تقديره من باب “العشم” فهو من يتحمل الوزر وإن كان معذورًا.

الأمر الآخر, باسم لم يتوقف عن برنامجه لأنه أراد ذلك, بالتأكيد لن يكره المال والشهرة وشغفه ببرنامجه الرائع, حتى إذا أراد الاستمرار لم يكن ليستطيع.

كل الحديث عن أن البرنامج كان من الممكن أن يستمر أو يُبث من مكان آخر أو أن يصبح على الإنترنت فقط كلام رد عليه باسم من قبل لذا لن أخوض فيه.

أتفق مع كاتب المقال أن البرنامج بعد الثلاثين من يونيو لم يصبح كالسابق, مستوى البرنامج انخفض بالفعل وظهرت تلميحات باسم دون مهاجمة صريحة، وأظن أن سبب هذا كانت صفة السيسي العسكرية وقتها. وقد بدأ يسخر بصراحة أكثر نسبيًا بعد إعلان السيسي ترشحه, ولكن لأن العسكريين لا يحبون الضحك و “بيتقمصوا” لم يسمحوا له بأن يُكمل. ولا يصح أن نبخس حقه في أنه كان سببًا في انتشار فضيحة جهاز الكفتة وجعلها مسخرة على كل لسان.

الآفة الثانية لدينا هي أن سقف توقعاتنا دومًا أعلى من المفترض, لو قال أحدهم كلمة حقٍ مرة أو قدّم برنامجًا يعارض السلطة بقوة نعتبره من زمرة الملائكة وله قدرة خارقة على المقاومة وننصبه قائدًا للجموع ونرفعه للسماء, وإذا لم يحقق مرادنا وما توقعناه به نخسف به وبمن يحبونه الأرض, لماذا هذا التطرف؟

أليس الأفضل ألا ننتظر ما فوق طاقة البشر؟ أبعد خمس سنوات من الثورة وكل ما لاقينا من إحباطات وصدمات في كثير ممن وثقنا بهم, ألم نتعلم بعد ألا نرفع أحدًا للسماء ولا نخسف بأحدٍ الأرض؟ متى سنتعلم أنه ليس هناك سوبر مان لدينا؟ لن يأتي شخص لينتشلنا من الضياع, ليس هناك بطل خارق, ومن معنا اليوم قد يصبح أكبر أعدائنا غدًا, والعكس صحيحٌ بالطبع.

أشعر أحيانًا بالاشمئزاز من الرومانسية الثورية وعدم إدراك الكثيرين أن الأمر صعب ومعقد للغاية, وأنه ليس هناك أبيض وأسود بل هناك مائة درجة من هذه الألوان، وأن هناك أكثر من وتيرة لردود الأفعال وأن الأمر ليس سهلاً دائمًا لتقول كلمة على الملأ دون حسابات. وأن التكيف أحيانًا في بعض الظروف خيرٌ من رمي نفسك في التهلكة دون فائدة, وأن السياسة والدهاء أحيانًا أفضل من العنترية. أهذا نفاق وتلون أم أنه الواقع الذي يجب أن نتعايش معه؟

هل الثورية هي أن يقفز الشخص في الجحيم؟ أن يرتمي تحت مدرعة ليكون دمه بداية ثورة جديدة؟ الأمر أحيانًا يستلزم هذا، ولكن ليس الكل بهذه الشجاعة التي تصل إلي حد الجنون، ولا أظن هذا يفيد كثيرًا الآن. المدرعات عطشة والجنود أصبحوا جوعى كأنهم سمك قرش يبحث عن رائحة الدم. لذا, لا تطلب من أحد أن يصبح بطلاً اليوم.

 

أما عن هذه الفقرة من المقال

 


فصدقني, لقد قرأته مرارًا لأجد فيه بعض المنطق ولكني لم أجد. بداية إحقاقًا للحق لا أظن أبدًا أن باسم قال جملة “الصمت أفضل” بهذا الشكل المباشر الفج, وإذا قالها فأرجو أن تصحح لي المعلومة.

 

يا سيدي الفاضل ليس كل الفلسطينيين يحاربون إسرائيل بالسلاح وإلا لكانت فلسطين محررة الآن. كلٌ يقاوم كما يستطيع, بعضهم يقاوم بسلاح, وبعضهم يقاوم بأغنية, وبعضهم بدعم معنوي, وبعضهم يقاوم ببرنامج, بعضهم يقاوم بالسخرية من الجبابرة وبعضهم يجبن ولا يقوم بشيء، وبعضهم يقاوم حتى تنكسر شوكته ويعجز عن المواصلة. لقد قال الرجل إنه قاوم قدر استطاعته, وأظنه صادقـًا.

 

هل موقف باسم موقف جبان؟ ربما, أنا شخصيًا وفقـًا للظرف الحالي لا أراه كذلك لأني لم أُوضع مكانه, وربما إن صادفت يومًا مشكلة تتعلق بسلامتي أو بسلامة أهلي بسبب مقال أن أتوقف عن الكتابة, وقد لا أتوقف, لا أعلم.

 

لم أكتب هذا المقال من باب المعارضة ولكن من باب التعقيب, لم أكتب لأدافع عن شخص, وإن دافعت عنه في أمر أو اثنين فهذا ليس من أجل شخصه، ولكنه لإحقاق حقٍ أراه وللدفاع عن فكرة أعم و أشمل وأهم من باسم, ولهذا تركت نقاطـًا عديدة ضد باسم لم أرد عليها لأنها لا تهمني الآن ولأني لست محاميه الشخصي. الأمر فقط, الظرف الحالي هائل وصعب, لا تحملوا الناس فوق طاقاتها, لا تنتظروا شيئًا من أحد, لا تتوقعوا كثيرًا من أحد فكلنا في المستنقع نفسه, وإذا قام أحدهم بفعل شجاع للغاية فلنحييه ولندافع عنه ولننضم إليه ولكن دون أن نرفعه للسماء, لأننا بعد قليل سندفنه تحت الأرض إذا لم يعجبنا, ولنقدر شجاعة بعضهم حتى إن لم ترق لمستوى شجاعة سوبر مان, ويبقى الثابت أن رسالة منع البرنامج هي رسالة قوية قد تتخطى رسالة إذاعته.

 

قد يكون حجم الإحباط الذي بلغناه هو ما يدفع بعضهم للمزايدة على الشخصيات العامة التي كانت لها مواقف مشرفة لمطالبتها لدفع الجماهير للأمام, وقد يكون الإحباط نفسه هو دافعنا لنتعاطف مع من بدؤوا يخافون على حياتهم بعدما لم يجدوا لتضحياتهم صدى, ألسنا نتمنى أن تندفع الجموع لتحقيق ما حلمنا به؟ بالتأكيد، ولكن فلنعذر من تعب ولم يستطع أن يُكمل. للأسف, الأمر ليس هينًا وليس كما حلمنا. وإلى كاتب المقال محبتي واحترامي.

رسالة باسم يوسف للسيناريست عمرو سمير عاطف التي دفعت الكاتب لكتابة مقاله : الرابط

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد