باتا دي لورا

قبل البدء (باتا دي لورا) بطل مقالي، وبطل لسلسلة فيلم وثائقي يعرض على إحدى القنوات الوثائقية المشهورة، مواطن من كوستاريكا، دليل سياحي محلي، ومتعاط وتاجر مخدرات، ومتهم بعدة أعمال إجرامية.

 (يتمرغل بدم المچاتيل)

أحد الأمثال الشعبية البغدادية القديمة التي كان يتردد على مسامعي من فم والدتي أيام طفولتي تحت سماء بغداد.

قد يحتاج هذا المثل لفك شيفرة لغير سكان العراق خاصة والخليج عامة فـيتمرغ: أي يمرغ ويلوث نفسه والـــ(المچاتيل): هم المقتولون!
قد يكون إسقاط هذا المثل للوهلة الأولى صعبا نسبيا، لكن برأيي المتواضع هو ذروة في فهم علم الاجتماع البدائي غير المدون المتناقل على ألسنة الحكواتية والجدات.

يمكن إسقاط هذا المثل على مئات من الحالات الاجتماعية التي تجسد وصولية الإنسان وغريزته في الهيمنة على الآخرين دون أي اعتبارات أخرى، كادعاء أحد الشباب بضرب مجموعة شباب ضايقته بيديه العاريتين والكثير من المغامرات المكذوبة، إذًا ما هو ربط المثل الشعبي الذي بدأتُ به سطوري هذه بــ(باتا دي لورا).

لنغص ونترك الأمور تفسر نفسها

في أحد الأيام فُقد سائح أجنبي شاب في غابات كوستاريكا العذراء، ولم تستطع الشرطة الوصول بالتحقيق إلى شيء، فغابات المنطقة كثيفة، وفيها قرى صغيرة مترامية مجتمعاتها مغلقة اغلب سكانها من منقبي فتات الذهب في صخور الغابات أو إدلاء سياحيين كصديقنا باتا دي لورا.

فاضطر والدا السائح إلى تأجير محققين متقاعدين كانوا يعملون في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) الذي يعتبره معظم الناس أسطورة.

بدأ التحقيق وبدأت الألغاز

وضل المحققان يدوران في دوامة غريبة جدا، واجهوا صعوبة كبيرة في تطبيق ما تعلماه طول فترة عملهم، فاختلاف الثقافة وطريقة برمجة العقول في كوستاريكا تختلف عنها في بلدهم.

كان آخر من شوهد مع المفقود هو باتا دي لورا بحسب شهادة كل الناس في هذا المجتمع الضيق علاوة على أن باتا أخبر سرا أقاربه وأصدقاءه أنه قتل السائح! وسرق ممتلكاته ونقوده! وقطعه ورماه في المحيط!

بعد التحقيق معه أنكر كليا ما نُسب اليه وحاك قصص طويلة حول مقتل السائح واتهم عمال مناجم محليين وبعد عناء طويل من المحققين وصلوا إلى طريقٍ مغلقة بلا أجوبة وأسطورة الــ(FBI) انهارت على يد تاجر مخدرات صغير منتشٍ أغلب وقته.

أغلقت القضية ورجع المحققون أدراجهم وهم مصرون أن باتا هو المسؤول.

فلا قضية من دون جثة.

بعد سنة وجدت جثة المفقود في عمق الغابة تحت شجرة ساقطة بحادث طبيعي ومعه كامل ممتلكاته ونقوده وملابسه وأوراقه الثبوتية الشخصية لم يُسرق منها شيء وفتحت القضية وحُلت على أنها حادث عرضي بالغابة!
فلا باتا ولا عمال المناجم ولا قتل بدافع السرقة وكل المتهمين كانوا كذئب يوسف، وكان المحققون الآتون من أعتى المؤسسات العالمية الــ(FBI) (حكي فاضي) كما يحب الأردنيون وصف أي شخص بدون فائدة.

هنا يلمع سؤالنا

لماذا لف باتا اللفائف حول عنقه وتبجح بجريمة لم يرتكبها على مسامع من حوله؟

في أحد لقطات البرنامج صرح باتا أن من يقتُل ينال الاحترام بشكل غير مباشر، وهذا ما أرجع لي ذكريات كثيرة حول سنين عجاف عشناها في العقد الماضي، في بغداد كان القتل عادة والتبجح فيه بطولة، وكسب خوف الناس منك عامل نجاح أقوى من كسب احترامهم! والأمر مستمر إلى الآن من تحت الطاولة، وأصبح متعارفا عليه اجتماعيًا، وقُسم الناس إلى هرم اجتماعي أعلاه الساسة، يليهم الضباط والعساكر، يليهم عائلاتهم، وأصحاب العلاقات معهم، وفي قعر الهرم الأطباء والمهندسون والكادحون والمثقفون والكتاب الأحرار.

يقول أحدهم: غابت القوانين فصار الأقوى غالبا؟

وأجيب برأي الشخصي: حتى في الدول التي تعتبر متقدمة تصاغ القوانين لجعل الأقوى أقوى.

بقوة الاقتصاد والدولار والنفط تَسلِب الدول الغنية قوت الضعاف في الدول المهمشة يزرع الهندي في ريف ناءٍ أطنانا من الأرز بأجر زهيد؛ ليرمى في مكبات النفايات في دول الخليج.

ويجوع الصيني ليخيط ألبسة طهاة في مطاعم الخمس نجوم التي تقدم وجبة واحدة سعرها يعيل عائلة صومالية لأشهر!

كل هذا تحت عين القانون الدولي!

إذًا هي الحياة لا مكان فيها للضعيف، وشريعة الغاب مقننة تحميها قوانين ونظم واتفاقات. تبجح يا باتا فأنت ملاك. رفعت الأقلام وجفت الصحف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد