بعد عام 2011م أطلت على المجتمع اليمني حالات تجلى فيها إرهاب المجتمع للأفكار التي لا يستسيغها والأفكار المحدثة بالنسبة له، حيث كانت هناك حملات تهجم وتكفير لعدد من الشباب ذوي الفكر الحر، الذين لا يؤمنون بالأفكار إلا بعد اقتناع وتفكير ونقد لها، فهم لا يتأثرون بالفكر المجتمعي السائد ولا يقبلونه كما هو، بل في أحيانٍ كثيرة يتحلون بالشجاعة للوقوف ضد سيل التهم الموكولة من مجتمع لا يقبل بغير السائد فيه، وكانت مثل هذه المواقف تتكرر بين فينة وأخرى.

إلا أن حادثة مقتل الشاب عمر باطويل في مدينة عدن، مثلت مسارًا جديدًا وبالأخص أن الشاب ما زال في بداية ريعان شبابه، فعمره لم يتجاوز الثامنة عشر ربيعًا، لكن الملفت للانتباه أن الأشخاص حاملي الأفكار التنويرية غير المستساغة مجتمعيًا ودينيًا كان جلهم شبابًا لم تتجاوز أعمارهم الثلاثينيات.

فعلى عكس حالات التطرف  المجتمعي أو الديني ضد الأشخاص حاملي الفكر التنويري في بلدان عربية أخرى، حيث يكون ضحايا ذلك التطرف مثقفين كهولًا، بينما نجد في اليمن أن غالبية هؤلاء الضحايا كانوا من الشباب.

وسواء كان هؤلاء ضحايا حالات عنف وقتل، أو حالات تكفير وتفسيق وإخراج من الملة، فإن كل ذلك يسمى إرهابًا.

لكن لماذا هو إرهاب المجتمع وليس إرهاب أفراد أو منظمات، لأنه وإن كان هناك أفراد أو منظمات متشددة تكون رأس الحربة في حالات الإرهاب تلك، إلا أن المجتمع أيضًا مشارك في كل ذلك، فالأفكار السائدة في المجتمع اليمني لم تزل محصورة بنمط تدين محدود، يأخذ كثيرًا من منطلقاته من الموروث التقليدي للأفكار الدينية السائدة.

فكما أن كثيرًا من أفراد المجتمع يرون أن تلك الأفكار التي يحملها أصحابها هي أفكار خاطئة، بل وفي كثير من الأحيان يرون أنها تمثل خروجًا عن الملة الدينية، وكثير منهم يرون أن معتنقي هذه الأفكار يجب أن يحاسبوا ويقام عليهم الحد الشرعي، وإن كان القلة منهم قد يستنكر طريقة القتل أو طريقة التكفير لكنه يوافق على كل الجوانب الأخرى للقضية.

محور مثل هذه التصرفات والحالات من الإرهاب المجتمعي هو مدى اقتناع الناس بالحرية، وخصوصًا حرية الفكر والاعتقاد، إذ إن هذه هي المعضلة الأساسية للمشكلة وهي الخلفية لكل هذه التصرفات المتطرفة ضد من يحمل أفكارًا لا يستسيغها المجتمع بتقليديته وبخلفيته الموروثة من أزمنة غابرة.

لهذا فالحل الأساسي لمواجهة ذلك التطرف والإرهاب المجتمعي للأفكار التنويرية  هو بتوسيع فكرة الحرية وتعميقها في نفوس المجتمع وذواته، وخصوصًا أن الدين الإسلامي قد شدد على ضرورة الحرية واشتراطها، قبل الاعتقاد والعمل.

لأنه بدون حرية الاختيار والاعتقاد يصبح الفرد مجبرًا على اعتقادٍ معين دون الإيمان به والاقتناع  به دون إكراه. فلهذا حث الإسلام على حرية الأفكار وحرية التعبير عن هذه الأفكار، ووجوب احترامها والحوار معها، بغض النظر عن مدى ما يعتقد البشر من صلاحية تلك الأفكار واتساقها الأخلاقي أو الديني أو لا. وسواء كان داخل دائرة الدين أو خارج تلك الدائرة فكل الأفكار مصونة ويحق لمعتنقيها التعبير والإفصاح عنها بل ودعوة الآخرين للاعتقاد والاقتناع بها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

باطويل
عرض التعليقات
تحميل المزيد