لقد نظر المفكر الإيراني علي شريعتي (1933 -1977) إلى ظاهرة استحمار البشر وأنكر ذلك واعتبر أن إنسانية الإنسان يجب أن تُحترم، وهو احترام مزدوج؛ فعلينا أن نحترم الآخرين فلا نستحمرهم وعلينا أيضًا أن نحترم عقولنا فلا نجعل الآخرين يستحمروننا.

ويقصد شريعتي بالاستحمار هو كل ما يهدف إلى تزييف العقول وصرفها عن القيم الإنسانية السامية وأهمها قيمة الحرية.[1]

ولقد دأبت الأنظمة الديكتاتورية على مر العصور على استحمار شعوبها، ونهب ثرواتها ووضعها في بنوك سويسرا وأخواتها، وتمييع عقيدتها، وتضليل عقولها، وتجهيل شعوبها، وقتل نخوة شعوبها وقوتها وشكيمتها لكي تستمر هذه الأنظمة الطاغية أكبر وقت من الحكم!

ومن صور استحمار الشعوب:

1- الكلام المعسول

من الممكن الضحك على الشعوب وخاصة الشعوب العربية لأنها شعوب عاطفية، ومن صور الضحك على الشعوب بالكلام المعسول والمدهون بالكذب مثل:

(الشعب الألماني فوق الجميع)؛ ونتيجة هذا الشعار حربان عالميتان، و(القومية العربية فوق كل القوميات)، وشعار الثورة الإسلامية الإيرانية (القدس عربية) و(الموت لإسرائيل) ولم يحركوا ساكنًا لتحقيق هذين الشعارين، وأيضًا شعار (أمريكا الصنم الأكبر)، وفي ذلك الوقت، نجد الخميني (1902- 1989)، (آية الله) و(روح الله)، يتعامل مع أمريكا سرًا ويشتري منها ومن الكيان الصهيوني السلاح لضرب العراق من (1980 حتى 1988)، وشعار السيسي (1954) (أنتم نور أعيننا) و(لم يجد الشعب منْ يحنو عليه)، وأيضًا (أنا ضيعتكم من قبل حتى أضيعكم الآن؟) في تعليقه على توقيعه على وثيقة سد النهضة، وكوميديا قَسَم رئيس وزراء إثيوبيا بالله أمام الكاميرات مثلما لقنه السيسي بأن سد النهضة لن يؤثر على حصة مصر من مياه النيل؛ وللأسف الشديد، وجدنا السيسي يستنجد في خطابه أمام الأخير في الأمم المتحدة من تعثر المفاوضات مع إثيوبيا بخصوص سد النهضة. أما باقي وعود السيسي فقد تبخرت كلها ودمر الشعب المصري في حريته ومياه نيله واقتصاده وعملته (الجنيه المغلوب على أمره)، وفي حياته كلها؛ حتى استفلحت ظاهرة الانتحار والإرهاب والفقر السخي وديون مصر التي وصلت إلى 106 مليار في سنوات قليلة غير قتل الشعب بدون محاكمة وبدم بارد، وبناء السجون العديدة (24 سجنًا) في سنوات قليلة، وتفرغ سيناء من أهلها؛ فأين إذًا هي الحنية؟

https://youtu.be/Ftv1GlbOGT8

2- الكذب والوعود الكاذبة

ومن صور استحمار الشعوب هو هتاف الزعيم بوعود كاذبة مثل الدعاية الكاذبة لصاروخ الظافر والقاهر في الستينيات، ووعْد السادات بأن عام 1980 هو عام الرخاء، ولم يحدث الرخاء حتى الآن بالرغم من توقيع معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني في عام 1978 بكامب ديفيد وتوقف حروبنا معه، ووعْد السيسي بأن ينتظروا عليه سنتين، ولم يحدث أي تقدم اقتصادي. وبعد السنتين، وعد بأن ننتظر ستة أشهر، ولم يحدث أي تقدم اقتصادي ولا رفاهية. ووعد بأن الأسعار لن ترتفع، وهي في ارتفاع جنوني على شكل متتالية هندسية. وهتف (بكرة تشوفوا مصر)، ولم نرَ مصرنا الحبيبة إلا في أسوأ صورة لها على مر التاريخ ويكفي الاعتقال وتلفيق القضايا والقتل المنهج للمعارضين؛ حتى استفلحت ظاهرة الهجرة إلى خارج السجن الكبير مصر!

3- إلهاء الشعب بأخبار حقيقية وكاذبة وافتعالها

ومن صور استحمار الشعوب هو نشر أجهزة المخابرات لأخبار حقيقية أو كاذبة أو افتعالها لكي يلهو الشعب أكبر وقت ممكن حتى يجهزوا للخبر أو الإشاعة القادمة مثل ضجة فستان رانيا يوسف المفتعلة، وضجة تعليق ابنة محمود رضا بخصوص الآذان، وصراع مرتضى منصور مع الكثيرين و(سيديهاته) العديدة لإلهاء الشعب عن قضاياه الحقيقية!

4- الدعاية الكاذبة للنظام وتسويق الأوهام

الإنجازات الحقيقية لا تحتاج إلى (بروباجندا) لأن الشعب يلمسها على أرض الواقع ويجد التحسن الاقتصادي والرفاهية في معيشته. وفي الدول الديمقراطية، نجد الأحزاب المختلفة تعمل ما في وسعها لكي تحقق التقدم الاقتصادي والرفاهية للشعب الذي اختارها حتى يختارها في الفترة الانتخابية المقبلة، أما في النظم الديكتاتورية والملكية السلطوية، فلا تضع الشعب أمام أعينها؛ لأنها أتت على أسنة الرماح والدبابات، ولم تأتِ بانتخابات، وفي ذات الوقت، تُسَوق ليلًا ونهارًا عن مشاريع وانجازات لا تزيد عن (وهم في وهم)، ومن الكوميديا السوداء، طباعة كتاب لإنجازات الزعيم؛ وهل الإنجازات تحتاج لكتاب يُطبع؟

5- ممارسة أشكال الديمقراطية كالانتخابات وهي مفرغة من مضمونها

في الأنظمة العسكرية والديكتاتورية، نجد صورا من الانتخابات وأشكالًا من الممارسة الديمقراطية، وبرلمانات معينة من أجهزة المخابرات[2]، وفي الحقيقة أنها لا تتعدى إلا شكلها فقط! فنتيجة الانتخابات والاستفتاءات معروفة من قبل، وخمسة تسعات مشهورة في دولنا العربية والمتخلفة، وحتى إن وجد ثمة دستور، فمن الممكن أن يُسحق ويُغير مثلما فعل السيسي بدستور عام 2014 وغير موادًا فيه لكي يطلق قبضته على مؤسسات الدولة، ويستمر على كرسي الحكم الوثير حتى عام 2030؛ هذا إن ترك الحكم في ذلك الوقت؛ لأنه لا يوجد حاكم في التاريخ كله أتى على أسنة الرماح وترك الحكم بصندوق انتخابات.

6- حكومة بلا مضمون (سكرتارية)

ومن صور استحمار الشعوب، وجود حكومة مدنية والحاكم عسكري. فأي حكومة مدنية تقوم بأعمالها وهي لم تأتِ بانتخابات حقيقية أو كاذبة، وهي تُعين وتأتمر بأوامر الحاكم بأمره العسكري!

7- ادعاء مدنية الدولة وديمقراطيتها

ومن صور الاستحمار ادعاء مدنية الدولة والحكم عسكري. ويأتِ الحاكم العسكري وهو يخلع بزته العسكرية أمام الجماهير ويدعي أنه الآن (حاكم مدني)، وفي ذات الوقت، جعل كل صور العسكرة تتغلغل في مؤسسات الدولة مثل التحكم في عجلة الاقتصاد حتى ولو في بيع (لبن العسكور)، وفي تجهيل التعليم، وتغييب الثقافة الحقيقية، وحتى في تعيين لواءات في كل مؤسسات الدولة كمستشارين للوزراء المدنيين؛ فالعبرة ليست بخلع البزة العسكرية لأن الحكم العسكري (وجهة نظر) كما يقول طارق الريس في مسرحية بكالوريوس في حكم الشعوب للراحل المبدع علي سالم[3].

8- العتامة وعدم الشفافية

في الدول المستحمرة، نجد الحاكم بأمره يطلق يده في ميزانية الدولة بلا حدود، ويغرف منها ما يشاء، ويشيد القصور له ولأسرته بلا حدود، ويطلق يديه وأيدي أسرته وأقاربه وحاشيته في كل مؤسسات الدولة التي شعارها الأثير هو (العتامة وعدم الشفافية والتضليل)!

وعلى سبيل المثال نجد أن كاميرات المراقبة للمتاحف تُعطل، وبعدها تُقطع الكهرباء عن المطارات، وبعد أيامٍ معدودةٍ، نجد دولًا (ليس بها آثار أصلًا)، بها متاحف تعرض أثارًا لدولٍ أخرى عريقة في التاريخ، وآثارها بلا حدود، وفساد أنظمتها الحاكمة بلا حدود أيضًا!

9- تمييع العقيدة والتجهيل وتغييب الوعي ونشر المخدرات والانحلال

ومن صور الاستحمار تمييع عقيدة الشعب باسم تغيير الخطاب الديني، وتجهيل وتغييب وعي الشعوب لأن الطاغية لا يطيق أي مواطن حر أو واعٍ أو عالمٍ. ومن صور الاستحمار، نشر المخدرات وادعاء أن الدولة تحاربها. ومن صور الاستحمار أيضًا، نشر الانحلال باسم المدنية، ونشر الدعوات لتقنين الدعارة وجعلها تعمل بصورة رسمية كما دعت بذلك المخرجة إيناس الدغيدي. وبعد ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 المجيدة بعدة أشهر، لم يجد النظام الحاكم في مصر في ذلك الوقت (المجلس العسكري الأعلى) إلا نشر فيلم شارع الهرم الذي يسلط الضوء على راقصة تزوجت من أربعة، وأخيرًا قررت عدم الارتباط بهم وتفرغت لعملها؛ فهل هذا الفيلم يليق أن يعرض بعد ثورة أبهرت العالم بشبابها ورجالها ونساءها الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل حريتهم؟

https://youtu.be/KYFct_GhC8w?list=PLbDrSi5P5Wu29ThGW96HKpmCEqguxjCuP&t=1

إن الطغاة يضعون أمام أعينهم أن الشعب «المميع العقيدة، والمنحل، والمسطول»، دائمًا ما يكون سلس القيادة.

10- محاربة غير قابلين للاستحمار واتهامهم بالإرهاب وقتلهم وسجنهم

ومن صور الاستحمار، قتل واعتقال غير القابلين للاستحمار والرافضين لأكل التبن والبرسيم، وتخوينهم، واتهامهم بالإرهاب، والعمالة لجهات أجنبية؛ والمصيبة أن يصدق باقي الشعب المُستَحمر هذه الاتهامات![4]

إن الاستحمار هو الحل الأمثل لكل الطغاة والمستبدين لكي يركبوا رؤوس الشعوب ويسحقوها ويحكموا أكبر وقت ممكن.

حيَّ على كل الشعوب الحرة والواعية والمتنورة وسليمة العقيدة، وهم ما برحوا ينفضون عنهم تراب الخوف والوهن والمهانة، ويرفضون بكل قوة هذه الصور من الاستحمار، ويضعون أمام أعينهم تحقيق الحرية والعدالة وكرامتهم الإنسانية.

حيَّ على شعب العراق وهو ينتفض الآن ضد كل صور الفساد والطائفية والقهر والعهر السياسي.


[1] انظر إلى كتاب النباهة والاستحمار لعلي شريعتي

[2] انظر إلى مقالنا الأراجوز في البرلمان

https://www.maghress.com/wadnon/17449

[3] انظر إلى مسرحية علي سالم بكالوريوس في حكم الشعوب

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات