أثناء زيارتي لقرية بتير جنوب غرب القدس، والتي تقع بين جبلين شاهقين يتوسطهما واد فيه العديد من البساتين التي تتميز بوجود شبكة مياه رومانية تمتد من رأس الجبل حتى آخر الوادي، وفي القرية حارة مطلة على منطقة تسمى «الجنان» سلة الخضار والفواكه، ومصدر رئيسي لدخل سكان الحارة وأهل القرية، وتطل أيضًا على سكة قطار القدس – يافا، والتي تعود للحقبة العثمانية.

لفت انتباهي وجود لافتة، مكتوب عليها «حارة السبع أرامل»، وهي من أقدم الحارات التي تضم عددًا من المنازل المتلاصقة القديمة، وهناك من يعتبرها باسم «حوش السبع أرامل» وليس حارة لان الحارة اوسع من الحوش وتتضمن مجموعة من الاحواش، ورغم استغرابي من التسمية للحارة، إلا أنه شكل لي فضولًا في معرفة الأسباب، ولماذا لم تتم تسمية الحارة بحارة المعلمات أو غير ذلك، ولماذا يظهر المجتمع المحلي بأن المرأة ضعيفة وتقليدية.

أحزنني الوصف للحارة لأن مصطلح «الأرملة» في مجتمعنا العربي هو أن المرأة لا تستطيع تلبية احتياجاتها وأعمالها، فهي تواجه العديد من التحديات الاجتماعية تبدأ في معاناة تربية أطفالها وتأمين احتياجاتهم. ولكن في القرية أطلق المسمى على الحارة، بناء على ثقافة وطبيعة أهاليها وتكريمًا للنساء اللواتي توفي أزواجهن خلال فترة قصيرة، فالمرأة البتيرية أبرزت لنفسها صورة إيجابية من خلال مكافحتها وصمودها وعملها في مجال الزراعة، فنساء القرية دخلن المدارس في وقت مبكر من القرن الماضي وهن متعلمات وموظفات ولم يعدن مزارعات، وقد تواجه القرية قلة الأيدي العاملة في المجال الزراعي، ولا بد من الإشارة الى ما ذكره أحد مدراء منظمة اليونسكو في أعوام الخمسينات بان الرقي الفكري والعملي والمشروع الوطني هو تاريخ بتير قبل اناقتها وجمالها التي لم تكن انيقة وجميلة بدون ما جرى من تنمية شاملة للبشر والمكان والمجتمع، فقد أطلق المرحوم حسن مصطفى وهو من رواد التنمية في فلسطين والأردن والعالم العربي ، على الحارة التسمية «حارة السبع أرامل» أو «حوش السبع أرامل» مداعبة منه على أن زوجته ستكون الأرملة السابعة، وقد سميت بذلك بعد ترميمها في عام 2008 تكريمًا لعطائهم ومساهمتهم في التنمية الريفية.

 الباذنجان البتيري 

وفيما تشتهر نساء القرية بالعمل في زراعة الباذنجان، إلا أن القرية تعرضت لمحاولة التهويد والاستيطان الإسرائيلي، حيث ارتبط اسم الباذنجان في بتير، رغم ان القرى المجاورة يزرعونه، لأن الباعة في الاسواق كانوا ينادون عليه ” الباذنجان البتيري ” لإظهار تميزه عن الآخرين، ويذكر الأهالي في القرية بان الباذنجان البتيري كان ميزة من المزايا الخاصة التي تشتهر بها القرية.

تدمير مشهدها الطبيعي

وفيما تشتهر القرية بنبعان مياه دائمة الجريان وقد تأثرا في الآونة الأخيرة بعوامل تغير المناخ في المنطقة، وعدد من ” مصايات ” قليلة التدفق، ويعود تسمية بتير الى انها بيت للطيور «بيت الطائر» وذلك لكثرة الطيور التي لا تفارق سمائها، وفي حين يعتبر اسمها يعود إلى أن منازل القرية ممتدة على حزام صخري جبلي وعر، وكان الكثير من الأهالي امتهنوا حرفة قطع الحجارة ” الحجارين ” ومن هنا جاء اسم التسمية لبتير ” قطع الحجارة قبل تمامها ” وفق ما ذكره كتاب ” المشهد الثقافي التنموي في ذاكرة العالم والعرب والفلسطينيين وأهالي بتير “.

وقد أدرجت بتير في عام 2014 على قائمة التراث العالمية المهددة بالخطر باعتبار تعرضها للضرر بسبب التحولات الاجتماعية والثقافية والجغرافية السياسية التي من شأنها أن تصيب الموقع بأضرار جسيمة غير قابلة للتصحيح، بالإضافة الى ان نظام الري فيها يعد نظاما عالميا ويستخدم في دول أخرى.

ولأن الاحتلال الإسرائيلي يعمل على تدمير الإرث الثقافي والطبيعي والتاريخي والحضاري للقرية من خلال بناء جدار الضم والتوسع الاستيطاني، من خلال امتداده ثلاثة كيلومترات داخل القرية فإنه سيعمل على تدمير مكونات البيئة وتضاريسها الجغرافية وتغيير معالمها الطبيعية وحضارتها الكنعانية، حيث نجح الأهالي في قضية عدم وجود جدار وعدم تقسيم الأراضي نهائيا، والعمل على استمرارية مرور القطار كالمعتاد حفاظاً على مصلحة الأهل والأرض والزراعة وجمالها الطبيعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد