“חייל ציוני לא תזוז … אתה בעזה… אתה במטרת צלפי חמאס”.

هذا المقطع باللغة العبرية ليس من إحدى وسائل الإعلام الإسرائيلية، بل هو أحد الفواصل المصورة والمنطوقة، بلغة محكمة، ولهجة تهديدية واضحة، وصوت قوي ذي لكنة عربية لا تخفى على أحد، بل لكنة قسامية، تقول: “الجندي الصهيوني، لا تتحرك، أنت في غزة، أنت في مرمى قناصيّ حماس”.

فيديو الفاصل الذي راحت تبثه قناة الأقصى التابعة لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، خلال معركة الـ(51 يومًا)، والتي اختارت لها المقاومة الفلسطينية اسم “العصف المأكول”، ليس الوحيد من نوعه، فقد تعددت الفواصل والتقارير، بل والأناشيد النضالية التي تغنى باللغة العبرية وتذيعها القناة مؤخرًا.

وتعتبر هذه هي المرة الأولى التي تبث فيها القناة موادًا باللغة العبرية، الأمر الذي يعكس توجهًا جديدًا يتلاحم مع أهداف المقاومة الميدانية والعسكرية في تناغم أدائي، أبهر المتابعين، والمتخصصين.
فبينما كان التطور النسبي لآليات واستراتيجيات المقاومة العسكرية مفاجأة، تزامن معه خطوة بخطوة تطور التكتيكات الإعلامية للمقاومة، ليتحقق ما يمكن تسميته باستراتيجية “مضاعفة الأثر”، والتي جعلت من الإعلام جناحًا ثانٍ للمقاومة، قرينًا لجناحها العسكري.

وفي رؤية تحليلية للأداء الإعلامي للمقاومة الفلسطينية في معركة “العصف المأكول”، يمكننا رصد النقاط التالية:

 

أولاً: تحديد الجمهور المستهدف والرسائل الضمنية الموجهة له، كما في الجدول:

 

الجدول

 

F1

F2

F3

F4

ثانيًا: آليات إدارة المعلومات

 

في إطار استراتيجية “مضاعفة الأثر”، لعبت إدارة المعلومات الدور الرئيس، لتحقيق هذا الهدف، من خلال:
1– السرعة في بث المعلومة:

وتحديدًا فيما يتعلق بالجمهور الفلسطيني والعربي، فإن المقاومة نجحت في أن تكون المصدر الإخباري الأسرع عبر منظومة من الوسائل الإعلامية المتنوعة، شملت مواقع الإنترنت، وأبرزها موقع المكتب الإعلامي لكتائب القسام، وشبكات التواصل الاجتماعي، سواء من خلال صفحات أو أفراد مجندين لهذا الدور، وقنوات فضائية أبرزها قناة الأقصى، فضلاً عن التنسيق مع قنوات إخبارية دولية لإمدادها بالأخبار والتصريحات السريعة أو الخاصة، وإذاعة صوت الأقصى، وعدد من المتحدثين الإعلاميين المدربين والذين مثلوا كتيبة على قدر عالٍ من الجهوزية والانتشار، أبرزهم المتحدث باسم كتائب القسام “أبو عبيدة”.

 

2– اتساع التغطية:

عبر شبكة مراسلين، ومصورين، انتشروا في كل أنحاء القطاع، على مدار 24 ساعة.

 

3- المصداقية:

كان من المبهر أن تتمكن المقاومة من تصوير العمليات، وتصوير ناقلات جنود الاحتلال القتلى، وأن تكون حريصة على توثيق كل الخطوات العسكرية منذ الإعداد وحتى التنفيذ، بل ومتابعة التداعيات داخل مستشفيات ومعسكرات العدو نفسه في بعض الحالات، كل هذا أعطى لأخبارها مصداقية كبيرة، لدى الجمهور ووسائل الإعلام الأخرى، وزاد من هذه المصداقية أن وسائل إعلام العدو كانت تتأخر في نشر الخسائر، إلا أنها تضطر لنشرها فيما بعد تباعًا، مؤكدة ما أعلنته المقاومة.

4– التوقيت:

العنصر الأبرز في إدارة المعلومات، وتجلى تمكن المقاومة من توظيف هذا العنصر، عندما أعلنت أنها ستقصف تل أبيب في الساعة التاسعة مساء، في تحد عسكري صارخ لقدرة قوات الاحتلال على كشف منصات الإطلاق وردعها، كما تمكنت من حشد كافة وسائل الإعلام للمتابعة، وكسر الرقابة العسكرية على النشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية.

 

كذلك توقيت إعلان أسر الجندي الصهيوني شاؤول آرون، والذي تم بعد 24 ساعة من أسره بالفعل، حيث تم تأجيل الإعلان حتى تأمين إخفاء آرون، وكذلك توقيت الإعلان جاء في نهاية يوم دامي، كان الأعلى في عدد الضحايا من الفلسطينيين، والذين بلغ عددهم نحو 98 شهيدًا، الأمر الذي رفع الروح المعنوية بشكل لا يصدق للمجتمع الغزي، حتى أطلق أهالي الشهداء والمصابين في المستشفيات التكبيرات، وعمت الفرحة حتى زاحمت الألم.

 

5– توازن الأمل:

غالبًا ما تتراوح المعلومات الإخبارية بين نتائج كل من عدوان الاحتلال وعمليات المقاومة، بين ضحايا العدوان الإسرائيلي، وانتصارات المقاومة، بين الفواجع والمبشرات. وقد وضع إعلام المقاومة سياقًا عامًا لتقديم الأخبار، يحقق ما يمكن وصفه بـ”توازن الأمل”، فكان واعيًا لتقديم انتصارات المقاومة بأنها تأتي في إطار “التفوق النسبي”، لا “التفوق الكمي والكيفي المطلق”، حيث تعكس قدرة المقاومة على تطوير إمكانياتها ومهارات أفرادها رغم الحصار، مقابل عجز العدو عن حماية شعبه من صواريخها “محدودة الأثر التدميري” رغم حجم الدعم والإنفاق العسكري لديه.
كما كان إعلام المقاومة واعيًا كذلك خلال بثه لأخبار الضحايا أن يضعها في سياق يحفز الشعب أكثر لدعم المقاومة في مواجهة العدو، لا يخوفه ويرهبه من بشاعة الهجوم، وربما يعود ذلك لفهم طبيعة أهل غزة الذين لم يعد لديهم ما يخسروه بعد 8 سنوات من الحصار وحربين طاحنتين. وعلى الصعيد ذاته ركز إعلام المقاومة على أن رهان المعركة ليست القوة التسليحية للعدو وإنما الإنسان، مزكيًا في هذا السياق سمات “الثبات والصمود والاستعداد للتضحية” في الإنسان الفلسطيني، مقابل سمات “الرعب والحرص على الحياة” لدى الطرف الآخر.

 

كل هذه الحنكة في صناعة الحدث، وتوثيقه، والوصول للمعلومة بشكل أدق وأسرع، ثم التحكم في بثها، في الوقت المناسب وبالسياق المناسب، جعل إعلام المقاومة ينجح في أمرين: أولهما مضاعفة أثر عملياته العسكرية نفسيًّا على الجماهير المستهدفة، والثاني توجيه تأثير الاعتداءات العسكرية للعدو على القطاع في الاتجاه الداعم للمقاومة لا الناقم عليها المعيق لأدائها.

 

ثالثا: تأمين البث
كان مقر قناة الأقصى، والأبراج التي تضم مقار وسائل الإعلام المختلفة، هي أولى الأماكن التي يستهدفها الاحتلال الإسرئيلي بالقصف في حروبه السابقة على غزة، وقد انتبهت المقاومة لهذا الأمر في معركة “العصف المأكول”، فكما أعدت الأنفاق والمخابئ للصواريخ ومطلقيها، أعدت كذلك أقصى تأمين ممكن لاستمرار وسائل إعلامها في العمل، كي تصبح هي مصدر المعلومة الأول، وبالتالي الأكثر تأثيرًا.
وفيما يلي أبرز الملاحظات في هذا السياق:

1- توفير مقار آمنة للبث الفضائي.
2- توفير الإعدادات التقنية اللازمة لمواجهة التشويش والقرصنة.
3- توفير البدائل البشرية والوسائلية الاحتياطية، لتعويض أي خسائر في أسرع وقت، بما يضمن استمرارية التدفق الإعلامي بلا انقطاع.

4- تأمين آليات مناسبة تتيح التواصل مع القادة والمتحدثين الإعلاميين، والحصول على تصريحات وخطابات منهم، دون أن يمثل ذلك تهديدًا لحياتهم، حتى وصل الأمر لبث خطاب مباشر للدكتور إسماعيل هنية.

 

رابعًا: الحرب النفسية

 

لنابليون بونابرت مقولة شهيرة، وهي “الروح المعنوية ثلاثة أرباع الانتصار”، فيما تحدد الاستراتيجيات الحديثة إحداث 100% خسائر في الروح المعنوية للعدو إلى جانب 50% خسائر مادية قبل توجيه أي هجوم بري حاسم، أما القائد الألماني المعروف “لوندروف”، فقد حدد هدفه الاستراتيجي خلال الحرب العالمية الأولى بـ”تفتيت مقاومة العدو، وشل قدرته، وليس قتله”، مفسرًا ذلك بأن “قتل جندي يعني إنقاص قوة العدو فرد واحد، أما تحطيم معنوياته فتعني بذر وباء الرعب والهلع في صفوف الأعداء، ما يعجل بهزيمتهم”.

ومن الجليّ أن المقاومة الفلسطينية أدركت ذلك جيدًا، بما انعكس على أدائها الإعلامي:

1- استهدف إعلام المقاومة جنود العدو برسائل مخصصة لهم كما أوضحنا من قبل.
2- استخدام عنصر المفاجأة أكثر من مرة، حيث الإعلان عن امتلاك المقاومة، بل وتصنيعها أيضًا لصواريخ بعيدة المدى، ثم طائرات بدون طيار، وبث ذلك كله بشكل احترافي مجدول.
3- توقيتات الإعلان عن خسائر الاحتلال وقتلاه، وتوثيق ذلك.
4- تداول مفردات ومصطلحات لبث الرعب لدى الخصم مثل “الغرق في وحل غزة”، “أتتوعدنا بما نتمنى يا ابن اليهودية؟!”.
5- بث نماذج لتدريبات وحدات القسام.

 

6- النكات والسخرية من الحالة النفسية لقادة وجنود الاحتلال، وفرارهم إلى الملاجئ، والتهديد بالأسر، والاستشهاد بشاليط.
7- المبادرة بالاشتباك مع القوات البرية للعدو، قبل أن يبدأ هو هجومه البري، بل وتنفيذ عمليات خلف خطوطه، وتوثيق وبث ذلك باحترافية عالية، في رسالة تقول: “نحن مستعدون لكم، مقبلون لا مدبرون”.

8- تحصين الجبهة الداخلية ضد الشائعات، والتحذير من تداول معلومات يستغلها العدو، وأبرز مثال على ذلك رسائل الصفحة الإلكترونية المعروفة بـ”المجد الأمني”.
9- تحديد موعد ومكان القصف الصاروخي وإعلانه مسبقًا في تحدٍ صارخ لقدرات العدو.

10- فواصل تلفزيونية تؤكد التفاف الشعب حول المقاومة.

11- وضوح الهدف من المعركة في الخطاب الإعلامي للمقاومة، بينما يبدو هدف العدو يستعصي على التحقيق، فبينما تستهدف المقاومة إنهاء الحصار، ووقف العدوان الإسرائيلي المتكرر، يتحدث الجانب الإسرائيلي عن وقف صواريخ المقاومة، والقضاء على مقدراتها، وقد عجز الاحتلال الإسرائيلي عن ذلك خلال احتلاله لقطاع غزة، فهل يفلح وهو خارجه؟!

 

12- بث تقارير تلفزيونية مترجمة عن التلفزيون الإسرائيلي حول انهيار الجبهة الداخلية تحت ضغط حالة الخوف المستمرة من الصواريخ، وتوقف الحياة اليومية للأشخاص، في رسالة تحذر الجانب الإسرائيلي من عدم قدرة جبهته الداخلية على تحمل حرب طويلة المدى، مقابل شعب يخرج ليشاهد الصواريخ ويأخذ صورًا معها (أبناء قطاع غزة).

 

13- اختراق التلفزيون والمواقع الرسمية الإسرائيلية، وبث رسائل تهديد عبرها.

 

14- اختراق الهواتف المحمولة لمئات الإسرائيليين ومن بينهم مسئولون، وإرسال رسائل تهكمية لها، تصف القادة الإسرائيليين بـ”الأغبياء”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد