أخي القارئ مرحبا بك!

معركة حمص الكبرى معركة سَرْمَدية في تاريخ المسلمين، فيها من العبر ما يرسم طريق الحاضر والمستقبل، فحال أهل ذاك الزمان كحال أهل هذا الزمان، فزَمانُ ذَاك الزمان غَلب عليه التَشرذم والفُرقة، وعلى كل قطعة من أرض المسلمين حاكم يرى أَحَقِيته بامتلاك أَمْر المسلمين، وعدو خرج مهزومًا بعد المعركة الخالدة عين جالوت، التي كان لها الأثر البالغ في إحياء الثقة بالنفس لدى المسلمين، بعد أن كان التتار تَنْهار أَمَامهم أبواب المدن، كما ينهار السَدُّ من شدة السيل، والحقيقة الغائبة أن الإسلام كما هو نعمة على أهله نعمة على أعدائه، فلقد حمى العالم أجمع من احتلال تَتَري يُهْلِك الأبيض والأسود لا يَبَقى ولا يَذَر، كانت المدن تَتَهاوى قَبْل أنْ يغزوها التتار، اعتمد جنكيز خان على إستراتيجية حربية جديدة، وهو بث الرعب في نفوس الأعداء، فأحدث سمعة لِجنده بكثرة غَزواته، جُنْدٌ لا يُقْهر لا يُهْزم لا يَرْحم يَأكل مَا أَمامه كما تأكل النار ما تَتَلَقَف، وهي إستراتيجية أَتَتْ أُكُلَها وجعلته يُسَيْطر على نصف آسيا.

أوروبا مَدِينَةٌ لِلإسلام بِبَقائها، فالإسلام كان لها كالحصن، وهي كانت كبني قريظة في المدينة المنورة تَطْعن الإسلام في ظهره.

لو تخطى التتاريون حصون المسلمين لتهاوت مدن أوروبا مدينة مدينة ولأصبحت أثرا بعد عين، ولأُحْرقت معالمها ومكاتبها، ولاسْتُعْبد أهلها وَلَعادت إلى العصور المُظلمة «إنسان الكهف» لم تكن الجيوش الأوروبية بِأَعْتى من الجيوش المسلمة، فتَصمد أمام هذا السيل الجارف، بل كان حكام الممالك الأوروبية
في شقاق ومكائد بين بعضهم البعض.

في عام 679هـ الموافق 1280م اختلف حاكمان من حكام المماليك أيهما أولى بإمامة المسلمين، فالحاكم قلاوون الصالحي الذي كان وصيًا على ابن بيبرس صاحب السابعة من عمره، الذي تولى الحكم بعد وفات والده، استنكر على نفسه وعلى الأمة أن يحكمها صبي، فخلعه وَنَصَّب نفسه حاكمًا، فثَار عليه حاكم دمشق وأعمالها، وارتأى أنه الأحق بحكم مصر والشام، فتقاتلا قتالًا عظيمًا، وهلك كثير من المسلمين، وضاعت أرواح المسلمين ومقدراتهم عبثا، وسال لعاب التتار ككلب صيدٍ يَنْتظر ضَعْف الفريسة لِخَنْقها.

المعضلة الكبرى التي أَهدرت استمرارية صعود الأمة الإسلامية والحفاظ على مُقدراتها منذ انتهاء عصر الخلفاء الراشدين هي آلية اختيار الحاكم وعدم انخراط الأمة في تعينه أو إزاحته ومراقبة أفعاله.

خرج التتار من معركة عين جالوت مكسورين مهزومين، فالسلاح الفَتَّاك الذي كان يعتمد عليه لغزو المدن قد انهار أَمَام حصون المسلمين، فامتلأ الحقد والغل قَلْب منكوتمر بن هولاكو، وكانت أمه صليبية فتعاظم الأمر في نفسه لينتقم مما حدث في المعركة الخالدة عين جالوت، فَلم يجد أنسب من هذه الفرصة، فالمسلمون غارقون في دماء بعضهم، فأصر على أخيه ملك التتار الأكبر أبقا بن هولاكو بالسماح له بالقضاء على آخر حصن من حصون المسلمين، فوافق رغمًا عنه لضعفه أمام سُلْطة أخيه المتعطش للدماء واِسْتعادة الأمجاد.

خرج منكوتمر في جيش قوامه 100 ألف جندي، قَدِم هذا الجيش العرمرم من العراق، وديار بكر، وخراسان، وأذريبجان إلى الشام ، فسرعان ما عَاد الحاكم قلاوون الصالحي إلى وَعْيه وَيَقَظَ ضَميره، فَقَّدم مصلحة الأمة على مَصْلحته الشخصية، ورَاسل سنقر الأشقر وكتب إليه أن نَتَوَحد فيما بيننا لئلَّا يهلك المسلمون بين التتار وبيننا، فوافقه سنقر وأرسل له بالسمع والطاعه واليد الواحده على عدو المسلمين.

حكام المسلمين قبل الاستعمار الأوروبي للدول الإسلامية كانت لديهم غِيرة على الإسلام والمسلمين حتى وإنْ َأصابتهم شَهوة الحكم.

حَمِيَ وَطِيس المعركة وَاشْتَّد بَأْسُها حتى قُتِل من الطرفين خَلقٌ كثير وبدأ المسلمون في التقهقر، فلما رأى ذلك قلاوون الصالحي هَبَّ كالأسد الضاري يُحَفِّز الجنود وَيَثْبت في مكانه ويقاتل التتار بِبَأس شديد، فلما رأى ذلك المسلمون عادو الكَرَّة على التتار وَشَقُّوا صفوفهم، وإذْ بِالبطل الأمير عيسى بن مهنا قائد كتيبة الصحراء يَفْتَقُ جيش التتار من ناحية العرض فَيُمَزِّق صفوفهم وَيَضْطَّرب جيش التتار. وَيَقْتَحم الصفوف بطل آخر الأمير عز الدين الحاج قاصدًا قائد التتار منكوتمر، فيصيبه إصابة بالغه وَيُسْتَشهد رحمه الله، فَانْفض جَيش التتار هاربًا يلاحقه أبطال المسلمين، يُمْعِنون القتل فيهم، حتى تحقق النصر ومات ملك التتار أبقا بن هولاكو مغمومًا حزينًا على ما حدث بأحفاد جنكيز خان.

في الاتحاد قوة وفي الفرقة ضعف ومجاهدة هوى النفس أعظم قوة.

هنا يَبْرز دور وحدة المسلمين وتعاضدهم كالجسد الواحد، لا فرق بين أميرهم وجندهم، فأبطال المعركة أمراءٌ وجنودْ، كلهم آثرو الآخرة على دنياهم، فنصرهم الله نصرًا مؤزرًاا، وجعل ذكرهم خالدًا يُتَرحم عليهم وَيُطْلَبُ مِنَ الله رِضْوانا لهم، يقول الرسول الكريم «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد