وقعت معركة ملاذكرد في 26 أغسطس (آب) 1071م، وقاد المعركة السلطان ألب أرسلان بعد أن تولى قيادة الدولة السلجوقية التي كانت جزءًا من الخلافة العباسية واجتمع الأمر إليه خلفًا لطغرل بك، فكان رحمه الله شجاعًا مقدامًا معظمًا لشعيرة الجهاد، فقاد الفتوحات وأغار على البلاد، مما أزعج الإمبراطور البيزنطي رومانوس، والذي قرر مهاجمة الدولة السلجوقية بكل ما أمكنه من قوة؛ فجهز الجيوش وأعد العدة وجمع الرجال، فكان تعداد الجيش البيزنطي ما يقارب ثلاثمائة ألف جندي(1) مقابل خمسة عشرة ألفًا من جيش السلاجقة المسلمين(2)، فجيش المسلمين لا يقارن بالجيش الذي أعده رومانوس والذي يفوقه بعشرين ضعفًا، فكل مسلم يقابله 20 رجلًا من الروم.

كان الموقف الذي يدور في خاطر ألب ارسلان نتيجة للفرق الكبير في العدد بين المسلمين والبيزنطيين هو الصلح وتفادي الحرب، وقبل أن يخوض في الصلح ولتقوية الموقف التفاوضي للمسلمين قرر الهجوم على مقدمة كانت للعدو بتعداد عشرين ألفًا معظمهم من الروس(3)، ونفذ الهجوم ونجح في القضاء عليهم، ثم قام بخطوته التالية وأرسل وفدًا للمصالحة إلى ملك الروم، والذي رفض بدوره الصلح بكل غرور قائلًا: لا هدنة إلا ببذل الري. (الري عاصمة دولة السلاجقة)
عاد الوفد بالخبر إلى السلطان ألب أرسلان، فغضب وعلم أن لا فرار من القتال والدفاع عن بلاد المسلمين، ولم يكن السلطان ومن ورائه الدول الإسلامية في موقف يحسدون عليه؛ فالخلافة مشتتة بين الخلافة العباسية في بغداد والعبيديين في مصر والأمويين في الأندلس، في حين أن ملك الروم جمع الروس والفرنجة وبعض قبائل الأتراك ممن لم يدخلوا الإسلام، والكرج.

اقترح موعد المعركة العالم الحنفي الجليل أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري، فقال موجهًا كلامه للسلطان: إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجوا أن يكون الله قد كتب باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة في الساعة التي يكون الخطباء على المنابر، فإنهم يدعون للمجاهدين.(4)

تلاقى الجمعان ونظر السلطان ألب أرسلان إلى كثرة جيش الروم، فنزل عن فرسه ومرَّغ وجهه في التراب وسأل الله واستنصره، ولما صار وقت الجمعة صلى في الجند ثم قال: نحن مع القوم تحت الناقص وأريد أن أطرح نفسي عليهم في هذه الساعة التي يدعى فيها لنا وللمسلمين على المنابر، فإما أن أبلغ الغرض، وإما أن أمضي شهيدًا إلى الجنة، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني، ومن أحب أن ينصرف فليمض مصاحبًا عني، فما هاهنا سلطان يأمر ولا عسكر يؤمر، فإنما أنا اليوم واحد منكم، وغاز معكم، فمن تبعني ووهب نفسه لله تعالى فله الجنة والغنيمة، ومن مضى حقت عليه النار والفضيحة. فقالوا: مهما فعلت تبعناك فيه وأعناك عليه.(5)

التحم الجيشان وكان النصر حليف المسلمين، وساق أحد جنود المسلمين الإمبراطور الروماني رومانوس إلى السلطان ألب أرسلان، والذي افتداه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار.(6)

عرضنا في ما سبق عرضًا مبسطًا لحدث تاريخي عظيم، فهي يرموك ثانية لها ما بعدها من نتائج أهمها:

1- دخول مناطق جديدة تحت راية الإسلام.

2- الناتج المعنوي لما أنجزه المسلمون من نصر مع اختلاف العدد وفارق العدة.

3- مهدت المعركة الطريق للمسلمين إلى آسيا الصغرى وقلب القوة الرومانية، وإلى القسطنطينة فيما بعد.

تتجسد في معركة ملاذكرد الآية القرآنية الكريمة: «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ». صدق الله العظيم

والله مع الصابرين وحق على الله نصر المؤمنين، فإخلاص النية والتوجه لله وحده في الاستنصار واليقين بأن النصر من عند الله، فمن صدق الله أعزه ونصره، ومن كان ينافق ويسعى لدنيا يصيبها ونصر يباهي به خِلانه وغرور يشبعه في داخله كان هو وما أراد، ولم تعد المعادلة إلا معادلة قوة دنيوية والله ينصر من يشاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد