إن تزايد ارتباط العالم بالفضاء الإلكتروني، ونشوء نمط جديد من الضرر على خلفية الهجمات الإلكترونية، وتوظيف الفضاء الإلكتروني في تعظيم قوة الدول، كلها عوامل ساعدت في تبلور وتنامي الصراع السيبراني، والذي يشكل بدورهِ جزءًا لا يتجزأ من صراع الأدمغة أو «صراع العقل للعقل» في مسمى آخر.

عن جولات هذا الصراع بين فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة والاحتلال والإسرائيلي، فإنَّه يندرج تحت أكثر من نمط وفقًا لأهدافه؛ فإلى جانب كونه صراع ذو طبيعة ناعمة يهدف للتأثير في المشاعر والأفكار وشن حرب نفسية وإعلامية، فإنّه يعد صراعًا على المعلومات والاستخبارات، متضمنا كل ما يمكن إدارته من خلال العقل، معتمدًا على عنصري المفاجأة والسرية بشكلٍ أساسيّ.

مع تنبُّه المقاومة الفلسطينية لساحة القتال الجديدة التي «لم تستخدم فيها رصاصة واحدة» و«لا تسيل فيها الدماء»، كما وصفها نشطاء ومحللون سياسيون، بدأت تسعى نحو امتلاك شبكات اتصال سلكية ولاسلكيّة آمنة وعالية الجودة تمكنها من الحصول على معلومات حول جيش الاحتلال وتحركاته من جهة، ومنع محاولات الاحتلال الحصول على المعلومات التي يريدها من جهةٍ ثانية.

حرب الأدمغة ليست وليدة هذهِ اللحظات، ولا هذا العقد ولا سابقه، لكنّها بدأت تتضح في الآونة الأخيرة وبعدَ عدة حوادث سجلت فيها المقاومة انتصارًا كبيرًا في هذا الصراع، كان أبرزها تسلّل القوة الاسرائيلية الخاصة داخل عمق القطاع في نوفمبر من العام الماضي، إذ شكّلت هذه الحادثة نقلة نوعية غير مسبوقة في معركة العقول بين المقاومة والعدو؛ ذلك أنّ حملات التحقيق والمتابعة السريّة والمكثّفة لكل خيط من خيوط الحدث أسهمت في إيقاع شبكة كبيرة من العملاء في قبضة المقاومة، كما أسهمت في الكشف عن معلومات أمنيّة خطيرة، وهو ما يعتبر الأمر الأكثر خطورة وحساسية في هذا الصراع، موصلةً من خلاله رسالةً للعدو مفادها أنّ اللعب في ساحة غزة ليس بالهين.

في المقابل، يعتبر إصدار هيئة الرقابة العسكرية وجيش الاحتلال أوامر بعدم تداول الصور التي نشرتها المقاومة لعناصر القوة الخاصة، موجهةً هذه الأوامر للجمهور بعينه، خطوة مقابلة ومواجِهة ردًا على قيام المقاومة بنشرها الصور، والتي كانت بدورها خطوة مفاجئة للعدو.

عقب هذه الحادثة بدأت معركة الأدمغة بين فصائل المقاومة الفلسطينية والعدو ترسم ملامحها وتبدو أكثر وضوحًا، فقد زرعت المقاومة الشك في أجهزة الشاباك الاسرائيليّ وخلقت حالة من القلق وجفاف المعلومات بإعلانها جائزة تقدّر بمليون دولار لكل عميل يستدرج إسرائيليين إلى غزة.

إلى جانب عمليات الاختطاف والاغتيال التي يخطط العدو لتنفيذها في القطاع بين الفينة والأخرى، فإن الحرب الإلكترونية هي جزء لا يتجزأ من معركة الأدمغة. المرة الأولى التي تمكّنت فيها المقاومة الفلسطينية من اختراق منظومة الاتصالات اللاسلكية التابعة للجيش الإسرائيلي، والتجسس على التعليمات التي كانت تصدرها القيادة للجنود في الميدان كانت في الحرب الاسرائيلية على غزة في العام 2014; ويعزى التفوق السريع والملحوظ للمقاومة في حرب السايبر لامتلاكها وحدات متخصصة في صفوفها تقوم بتطوير ما يلزم من برامج اختراق على الهواتف أو الحواسيب للتجسس على المجتمع أو الجيش الإسرائيلي وهي حالة مشابهة لما يقوم به الجيش الإسرائيلي من اختراق أنظمة الاتصالات والتواصل التابعة للمقاومة. هذا التطور يثير تخوفًا كبيرًا لدى الاحتلال يدفعه لاغتيال كل من تثبت مساعدته للمقاومة في هذا المجال كما حدث مع محمد الزواري وفادي البطش. 

تختلف أدوات هذا الصراع وفقًا لاختلاف الحيثيات التي يقتضيها، فتوثيق العمليات النوعيّة وبث المقاومة رسائل باللغة العبرية، واختراقها بث القنوات الأرضيّة والإذاعية، وعمليات الاختراق الإلكترونية بأنواعها، كلها تشكلّ جزءًا من الصراع وتصيب الجبهة الداخلية بشرخ كبير في الثقة بالمستوى الأمني والعسكري للاحتلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد