ثورة يناير ثورة شعبية خرجت من كل شارع وكل حارة في مصر؛ لا يوجد بيت لم يشارك على الأقل فرد منه في هذه الثورة التي ردت للمصريين اعتبارهم بين الأمم بعد عقود من الإجرام العسكري. الجماهير الضخمة والحشود الهائلة التي خرجت تلعن الحكم العسكري منذ عبدالناصر وحتى لحظة سقوط مبارك لم تكن تدري أن هناك عيونًا ترقب لحظة حاسمة للانقضاض عليها تنهش من لحمها الحي وتبدد حلمها في الحرية والكرامة والعدالة والعيش.

هناك بين فتات الأحلام كانت تتكون كوابيس شديدة القتامة تسعى لقتل الحرية الوليدة. حاول العسكري القصير الحالم بكرسي الحكم أن ينهي الأمر برمته من خلال إدارته لأعتى جهاز أمني عسكري في وقتها في مصر. اجتمع بعدد من الجمّالين البسطاء في نزلة السمان ومنطقة الأهرام وغرر بهم ليتحركوا صوب ميدان الحرية والتحرير. تحت حراسة من الشرطة العسكرية طوال الطريق باتجاه ماسبيرو.

الجمّالين لم يستوعبوا ما يحدث في مصر وقتها من أن حياتهم قد تتغير للأبد. لكن العسكري القصير استطاع النفوذ إلى الغوغاء منهم وحركهم تجاه الميدان فكان مصيرهم محتومًا ومعروفًا. الصدمة التي انتابتهم مما يحدث هناك أفقدتهم توازنهم ففقد العسكري القصير قدرته على إدارة المشهد وقرر تأجيل المعركة إلى حين، وباءت موقعة الجمل بالفشل.

داخل الميدان كان المشهد مختلفًا يدخل جحفل المغول على الجمال والخيول فيبادر الثوار إليهم لمنعهم من قتل حلم طويل يتحقق رويدا رويدا على أرض الميدان. كان الثوار يقولون لن نعود إلى الخلف ودوام الحال من المحال. وهناك من أعلى قمة كان العسكري القصير يمسك نظارته الميدانية يستطلع خطته التي فشلت. تبرم من نجاح الثوار في قمع حركته قرر اقتحام الميدان بطريقة أخري بلطجية مسلحين يحاولون اقتحام الميدان ليلة هذا اليوم الدامي.

شهداء سقطوا على مداخل ميدان الحرية لحمايته من بلطجية العسكري القصير وحتى مطلع الفجر حتى وصلت إمدادات الثوار من المحافظات القريبة. كان رهان العسكري القصير على فض الميدان بأى وسيلة حتى ولو اضطر لضربه بالطائرات. الإجرام الذي يجري في دمه دفعه للتنكر وخداع القوى الثورية جميعها شباب الثورة والإخوان والثوريين، خدع الجميع وصبر على فريسته حتى انطلقت على خط بناء وتنمية واضح بعد شهور طويلة من الركود مع شعب لن ينتظر طويلًا ويريد ثمنًا سريعًا.

العسكري القصير خطط وفكر ودبر وهدأ ثم انقض على الثورة التي لم يكتمل بناؤها ومؤسساتها بعد. كان مشهد موقعة الجمل حاضرا في ذهنه كيف تلقى هزيمة فادحة على أيدى الثوار حينما كانوا يدًا واحدة. فبدأ بتفريق الثوار والوقيعة بينهم ونجح في الأمر إلى حد بعيد وسقطت فرق من الثوار في فخ العسكري القصير. فبدأ الثوار يتقاذفون الاتهامات وتناسوا روح الميدان يوم موقعة الجمل يوم كان الإخواني يحمل صديقه الليبرالي واليساري يساعد الإخواني المصاب في الاشتباكات. تناسوا فكرة المستشفى الميداني فكرة التكامل داخل الميدان.

خطط العسكري القصير لمائة موقعة جمل يشفي فيها غليله ويبرد نار غضبه في الشعب الذي أخرج هؤلاء الثوار الذين نزعوا عنه ورقة التوت التي تستر عورة حاول عدم كشفها طويلا. وعلى طول الخط الثوري كان العسكري القصير يثير الزوابع دون أن يراه أحد فقد كان قصيرا بما فيه الكفاية ليختبئ خلف دمى خشبية اعتقدت يومًا أنه يدير المجلس العسكري.

وقف العسكري القصير يقهقه ضاحكًا في كل جريمة له بصمة واضحة فيها من أحداث محمد محمود إلى مجلس الوزراء إلى العباسية مرورا بمجازر سيناء وصولا إلى مجزرة رابعة العدوية ثم رمسيس ثم تصفية الشباب بدم بارد في الشوارع. آلاف القتلى سقطوا تحت أنياب العسكري القصير وهو لا يلوي على شيء فقط كان سعيدًا بانتصاراته المتتالية ولكنه ينسى أن هناك دائمًا جولات خاصة مع بصمة موقع الجمل الأولى على مؤخرة رأسه.

فقط بقي القليل من الوقت حتى يقع تحت أحذية الثوار مرة أخرى!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد