متى اشتعلت هذه الحرب العالمية بين المسلمين والروم ؟

عندما كان الرسول في أول بعثته عند الكعبة يعد أهل مكة وسادتها مُلك فارس والروم ويقول والله ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، كان الروم في غاية مجدهم بانتصاراتهم على الفرس، عندما وعد الرسول سراقة بن مالك وهو مهاجر خائف يترقب وعده بسواري كسرى كانت الفرس تتحالف مع الروم وتحافظ على سطوتها المعهودة، عندما نبأ الرسول أصحابه وهم محاصرون خائفون يحفرون الخندق ليصدوا هجوم العرب، نبأهم بمُلك الشام واليمن وفارس والروم، حتى قالوا لقد غر هؤلاء دينهم! بينما الرسول يدخل مع أصحابه مكة ويهدم أصنامها وتعلو كلمة الإسلام، يحتفل هرقل قيصر الروم بإرجاع صليب المسيح للقدس في حفل مهيب ومشهود!

في السنة الثامنة من الهجرة، أرسل الرسول رسالة لملك الغساسنة يدعوه فيها بدعوة الإسلام واتباع ما أنزله الله من الحق، خرق ملك الغساسنة العهد والعُرف وقتل رسول الله، كانت بمثابة استهانة وإعلان حرب وأعلى ما في خيلكم اركبوه، كان الرسول وأصحابه على عهدهم بالإيجابية فتقدموا للغساسنة حلفاء الروم بجيش قوامه ثلاثة آلاف، فوجئ المسلمون أنهم على موعد لمواجهة جيش رومي قوامه 200000 ألف، كأن الروم انتظروا هذه المواهجة طويلًا كأنهم يدركون خطورة هذه الحركة التي تجري ببادية الحجاز وتدرك أنه لا يجب لحضارة روما أن تستهين بعربي يتحدث عن السماء ويريد جمع هذه القبائل في أمة واحدة، لعله وصلت لهم تلك الوعود بمُلك الشام والروم وفتح القسطنطينية، لعل الروم قالت: آن أن ننهي هذا الأمر في معقله قبل أن يخرج إلينا.

كانت من أول المواجهات بين السيف المسلم والسيف الرومي، تلك المواجهة التي أشعلت أرجاء البسيطة لعقود وعقود، ولعلنا سنرجع إليها؟!

قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة فقاد الجيش خالد بن الوليد المخزومي صاحب خيل قريش وقائدها عند النفير، فقاد المسلمين وأحسن القيادة والتكتيك فانسحب جيش الروم الذي قوامه 200000 ورجع جيش المسلمين للمدينة سالمًا بعدما ارتقى منه 14 شهيدًا، لقد صارت للمسلمين سمعتهم بعد هذه الموقعة العالمية، لعل الأسباب المادية لحدوث ذلك عدم تعود الروم على الحرب بأرض العرب، قوة الإيمان والقبول على القتال لنيل الشهادة ونماذج البطولة والفدائية التي لدى صحابة رسول الله، تكتيك خالد بن الوليد الذي أوجس الروم، فالرواية تقول أن خالد بن الوليد تكسر بيديه أكثر من ثمانية سيوف وذلك ينبئ بشراسة القتال وقوة الصبر والاحتمال لدى العرب عما هي عند الروم.

يعتبر بعض المؤرخين إن معركة اليرموك تعتبر من أكبر المعارك وأهمها في تاريخ البشرية كله، إنها المعركة الفارقة التي نهضت بها روح الجهاد الإسلامي حتى وصلت بعد قرن واحد منها لمشارف باريس.

وجه خليفة رسول الله أبو بكر الصديق الكتائب الإسلامية إلى الشام العربية لتدعو الناس إلى الإسلام وتضمها لحوزة الأمة فقد صار للعرب دولة واحدة وبعدما وثق أبو بكر بعدما فتحت له العراق وكذلك بسبب مقاتلة الروم للجيش الإسلامي في تيماء فلقد عقد أبو بكر لوائًا لعمرو بن العاص ليربض بحدود الحجاز ويتابع تحركات الروم كحرس للحدود مثلًا فلا يقاتل إلا إذا قاتله الروم وبالفعل نسق الروم مع حلفائهم من العرب وهاجموا المسلمين بتيماء وقتلوا منهم، فكانت فكرة التقدم نحو الشام فكرة إستراتيجية للحفاظ على العراق وما تم تحقيقه بها وللحفاظ بالتالي على الجزيرة العربية فلن تسكت الروم أبدًا عن تنامي قوة العرب وإن لم يتقدم المسلمون نحو الروم تقدم الروم إليهم وهاجموهم في عُقر دارهم، ما شجع المسلمين للتقدم نحو الشام أيضًا هو السبب المشترك الذي شجعهم على التقدم نحو العراق وهو الاشتراك في العروبة واللغة والعرف والتجارة، والدليل أن جُل مدن الشام فتحت صلحًا وذلك يرجع لسمعة المسلمين إما رهبة من حربهم أو رغبة في سماحتهم وعدلهم، ويرجع لأن الشام عربية يغلب عليها الروم بسيفهم، وأن جزية المسلمين أخف بكثير عن ضريبة الروم المجحفة، فلم يقاتل المسلمين بالشام إلا بالمدن ذات الحامية الرومية الكثيفة، فجمع هرقل الروم في أربع جيوش كبار وكأنه يقول: فلننهِ الأمر قبل أن ينهينا، ويذكر الرواة أنه اتخذ سياسة التجنيد الإجباري.

تقدم المسلمون نحو الشام كتائب على كل كتيبة أميرها ولكل أمير وجهة فمن يفتح مدينة فهو أميرها وإن كانت هناك ضرورة للتجمع بين الكتائب في جيش واحد سيكون أبو عبيدة بن الجراح هو الأمير.

واجه الروم المسلمين بجيشهم الأول وقوامه 100000 ألف تقريبًا، طلب المسلمون من الخليفة أبو بكر المدد، فأرسل إليهم عكرمة بكتيبة كان يحتفظ بها لحماية المدينة، وكذلك أرسل خالد بن الوليد الذي لم يخسر معركة قط في العراق أن يتوجه بنصف جيش العراق إلى الشام قائلًا: والله لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد.. وكان يقول عقمت النساء أن يلدن مثل خالد.

ولعل حسن ظن الخليفة بقائده خالد بن الوليد حيث عبر بنصف جيش العراق صحراء ليصل للمسلمين بالشام بمسيرة أيام قليلة في مغامرة خطيرة لولا التوفيق لكان قد هلك المسلمين جراء تلك المجازفة، كانت سمعة خالد بن الوليد تسبقه إلى الروم، فهو من قابلهم بمؤتة وهو من سقطت بيده حيرة العراق وتحاكى الفرس أشد الناس في الحرب عن شدته هو شخصيًا!

أرسل الخليفة أبو بكر لأبي عبيد بن الجراح وهو من أكابر الصحابة السابقين أن يعزل نفسه عن القيادة ويولي خالد بن الوليد لمعرفته عنه بالحرب، قبل أبو عبيدة على الرحب وتراجع كجندي وترك القيادة لخالد بن الوليد، في مشهد سامي يظهر الإخلاص الذي كان يشعر به المسلمون في معاركهم هذه فلا عجب أن نحكي هذه الأساطير ونصدقها ونوقن بحدوثها فإن قلبًا مؤمنًا ومخلصًا كهذه القلوب يحقق المستحيل.

دارت المعركة الممهدة للمعركة الكبرى بقيادة خالد بن الوليد وعبيدة بن الجراح وجيش قوامه 30000 ألف منهم رجال شهدوا بدرًا ولهؤلاء الرجال كرامة ومكانة عند المسلمين، من تكتيكات خالد بن الوليد أن يجعل النساء خلف الجيش حتى يمنعوا الجنود من التراجع أو يستحي الجنود أن يتراجعوا، وتلك ليست بدعة من خالد بن الوليد فقد كانت عادة العرب كذلك أن يصحبوا النساء لتشجعهم أن يفدوهم فيصحب الرجل ماله ونساءه حتى لا يكون له سبب للتراجع أصلا.

اشتعلت المعركة بعدما وعظ خالد جيشه وهاجم ليحصد الروم حصدًا فكانت لدى خالد قناعة أن الروم يظهرون مع الكثرة قوة ولكنهم كالذباب، وظهرت فدائية ضرار بن الأزور ومعاذ بن جبل وأم حكيم زوجة عكرمة حيث صارت تقاتل من خلف جيش المسلمين من ينفذ إليها من الروم بعمود الخيمة، غُلب جيش الروم وانتصر جيش المسلمين وسجد خالد بن الوليد لله شكرًا في منطقة تسمى إلى اليوم بمنطقة السجدة بأجنادين وكانت هذه المعركة فاتحة المعركة الكبرى ونموذجًا مصغرًا لتلك الملحمة الكبيرة، معركة اليرموك.

توفي خليفة رسول الله أبو بكر الصديق في هذه الأثناء وتولى عمر بن الخطاب الخلافة فأول أمر فعله أبلغ الجيش بالشام الوفاة وأمر بعزل خالد عن قيادة الجيش، رد عليه أبو عبيدة الجراح برسالته التي تستغيثه بالمدد فيقول أن الروم قد جمعوا جيوشًا قوامهم أربعين ألفًا، ولعل ذلك من قبل التهويل أو المعلومات المغلوطة أو من شدة ما سمعوه من النفير المقدس للروم فقد استقبل الروم الرهبان والقساوسة بالشام يرفعون الصلبان ويقرأون الإنجيل لجيش هرقل الذي أرجع الصليب، كان الوضع بالعراق ليس أقل توترًا مما هي عليه الشام فمن المعروف أن الفرس صاروا حلفاء الروم ويبدو أن هناك خطة متفق عليها للإطباق على المسلمين في العراق والشام بوقت واحد، فصار الصحابة يتجاذبون الخليفة عمر بأن يذهب بنفسه لقيادة جيش المسلمين بالشام وتدبير أمرهم وهناك من قال بل يذهب بنفسه للعراق، حتى استقروا أن الخليفة لن يخرج من المدينة حتى لا تضطرب الأمور إن حدث له شيء.

بينما أبو سفيان بن حرب يتجول بمعسكر المسلمين ويتذكر أيام الشام القديمة، التي جاءها مرارًا تاجرًا يتملق الحراس وأشراف الروم ليتاجر ويحتكر، وها هو اليوم جاءها بسيفه، ثم ينظر لخيمة قادة المسلمين وهم يتداولون المشورة في أمر الروم وجيوشهم الجرارة قائلًا: ما كنت أظن أني أبقى حتى أرى غِلْمَةً من قريش يذكرون أمر حربهم، ويكيدون عدوهم في حضرتي ولا يُحْضِرونني!

فسمعوه فنادوه أن يشيرهم وكان من بينهم يزيد ولده فقال: إن معسكركم هذا ليس بمعسكر إني أخاف أن يأتيكم أهل فلسطين والأردن؛ فيَحُولُوا بينكم وبين مددكم من المدينة؛ فتكونوا بين عسكرهم فارتحلوا حتى تجعلوا (أذرعات) خلف جيشكم، و(أذرعات) هذه مدينة في جنوب الجابية اسمها الآن (دِرْعة) في الأردن.

استحسن القادة مشورة أبو سفيان فالرأي أن تكون معركة واحدة حاسمة خير من أن نواجه الجيوش كل على حدة وكان ذلك من عوامل إرباك إستراتيجية الروم الذين أمرهم هرقل ألا ينجروا لمعركة واحدة حاسمة مع المسلمين ولكن القائد لم يكن لديه خيار فلقد انسحب المسلمون من أمامهم واستقبلهم الرهبان والقساوسة، رغم أن المسلمين أحسنوا إليهم ونفذوا وصية الرسول وكذلك وصية أبو بكر عندما قال للكتائب المتجهة للشام: لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا صبيًا صغيرًا ولا امرأة، ولا تهدموا بيتًا ولا بيعة، ولا تقطعوا شجرًا مثمرًا، ولا تعقروا بهيمة إلا لأكل، ولا تحرقوا نخلًا ولا تُغرقوه، ولا تعص، ولا تجبن.

وعند انسحاب المسلمين من الشام أمرهم أبو بكر بأن يعيدوا ما أخذوه من الجزية لأهلها، وما كان لجيش في الأرض أن يلتزم بكل هذه القيم إلا المسلمين، فالجيوش إذا غلبت توحشت وخربت إلا المسلمين فكانوا الأكثر سماحة وذوي قيم ومبادئ فيبلغون الناس بمجيئهم قبل الهجوم وإن اختار الخصم الحرب ينتظروا حتى يجهز، فهم يخيروه وبذلك يتركون له إمكانية التجهيز والتدبير فمن يفعل ذلك إلا المسلمين!

مع أن أبو عبيدة عاد للإمارة وخالد بن الوليد عاد للجندية إلا أن أبو عبيدة أقر لخالد بن الوليد أن يشير ويأمر كما كان على عهده بالإمارة، في سماحة وأخوة بين خالد وأبو عبيدة انعكست في ساحة المعارك.

كان عمرو بن العاص يتوجس أهل الأردن وفلسطين أن يهبوا فيهجموا عليه وهو قليل الجند وكذلك لا يريد أن يصعد للمسلمين وهم ينزلون إليه بسهل اليرموك شمال الأردن، ففكر عمرو بن العاص في مخرج من حركة جند الروم الخفية بالأردن فجمع الناس وخطب فيهم بأنه سيهاجم مدينة إيلياء وأرسل لمدينة إيلياء رسالة شديدة اللهجة لا يعرض فيها صلحًا كما العادة، وجرد أهل الأردن من السلاح وكشف جند الروم وعين سرية تراقب الأردن عن كثب.

تجمعت كتائب المسلمين لتكون جيشًا قوامه 36000 تقريبًا، وقد تجمعت جيوش الروم فكانوا 200000 تقريبًا يصحبهم القساوسة والرهبان ويرفعون الصلبان وقد أقروا بتلك المعركة الحاسمة، كان جيش الروم يشمل عناصر بيزنطية وروسية سولافية وأرمينية وعربية وكل لهم أميرهم فكان ماهان القائد الأعلى ملك أرمينيا وقناطير أمير روسي وبن الأيهم ملك الغساسنة وقائدهم، كان جيش الروم مفكك الروح، لا يوجد انسجام بين القادة، لا يؤخذ برأي العرب كثيرًا، قد يكون نوعًا من التكبر والاحتقار لهم مثلًا، في أول المعركة أسلم قائد من قواد الروم وانضم لجيش المسلمين واستشهد في نفس اليوم، بالتأكيد كان هناك تفكك بين القادة وبالتأكيد أن يسلم أحد قادة روما ويحارب روما مع المسلمين كان لذلك أثر نفسي على القادة والجنود سواء بشكل محسوس أو لا.

لقد أعاد خالد تشكيل الجيش بما أن أبو عبيدة ترك له الإمارة فعلًا ولم تكن له اسمًا فقد عزله عمر بن الخطاب ولكن لا شك بأن خالدًا على دراية وكفاية بأمور الحرب فهو قائد مؤتة وفاتح العراق، كون الجيش لأربعين كردوسًا والكردوس كتيبة المشاة وجعل مكان أبو عبيدة خلف الجيش حتى إن تراجع الجنود أحرجوا منه وأرجعهم هو وكذلك أوقف النساء وقد نصحهم خالد بأن يرموا من يتراجع بالحجارة حتى صار المسلمون يقولون مواجهة الروم ولا مواجهة نسائنا.

قد ألقت عدة الروم وعددهم الرهبة في قلوب بعض المسلمين فأخذ أبو عبيدة يعظهم وينصحهم ويرشدهم لطريق النجاة والآخرة، وأخذ خالد يخطب فيهم ويحمسهم وكان خطيب الجيش وقتئذ أبو سفيان، فكان يمشي بين الجند فيخطب فيهم ويحمسهم ولعله قص عليهم القصة؟!

أبو سفيان تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان ومعه ولده معاوية وزوجته هند بنت عتبة مع النساء تقف لتحمس الرجال وتعترض طريق المتراجعين وتدفعهم للقتال وترميهم بالحجارة وذلك وحشي ينصب حربته ليقتل الروم، ألا يذكركم ذلك بالقصة.. ألا يذكرك يا أبا سفيان بالقصة؟

قصة حدثت قبل عشرة سنوات تقريبًا، قصة أحد، أبو سفيان سيد مكة وهند بنت عتبة تؤجر وحشيًّا ليقتل حمزة لتذهب وتمثل بجسده وتثأر لأبيها، خالد بن الوليد فتى قريش وصاحب القبة من بني مخزوم، عمرو بن العاص، ووحشى وحربته التي قتلت حمزة، الهجوم على الرسول حتى كاد أن يقتل، هل تذكر نفسك وأنت تصيح اعلُ هُبَل وهند بنت عتبة تزغرد لأخذها بالثأر، وعكرمة يريد الثأر لأبيه دهره كله، عشرة أعوام فعلت الكثير، كم كنتم تسخرون من الرسول وهو بالكعبة وينصحكم باتباعه ويعدكم بملك اليمن والشام وفارس والروم، وكنتم تتضاحكون وتقولون انظروا ماذا يقول راعي الغنم!

لقد دارت الأيام وأنت يا أبا سفيان مترجل تحت لواء ولدك بالشام، بما وعد به راعي الغنم، وزوجتك هي نفسها التي كانت ترمي من يتراجع من المشركين عن قتال الرسول ترمي من يتراجع اليوم من المسلمين ليقاتلوا المشركين، عكرمة وزوجته يتمنون الشهادة في سبيل الله في كل لحظة، وخالد بن الوليد قائد المسلمين، هل وعيت القصة يا أبا سفيان؟!

بعدما خطب القادة في الجيش ووعظوهم اتخذ خالد سياسة الدفاع منذ البداية فكان الروم يهاجمون والمسلمين يصدونهم، وقد استخدم خالد بن الوليد تكتيكًا بديعًا وهو تبديل الكراديس فيأتي جيش الروم فيقاتل الجندي المسلم فيجده غير الذي بالأمس فيظن أن المدد لا ينقطع عن ذلك الجيش.

حاول الروم أن يجدوا أية ثغرة للمسلمين، فهجموا عليهم فجرًا فكان خالد يعد سدًا وكتائب لحراسة الجيش بقيادة النضر بن الأزور وصارت للنضر سمعته الرهيبة بنفوس الروم فهو رجل يتخفف من الدروع ويحارب بصدر عارٍ بفدائية فيقتل الكثير منهم، وقد كبد الروم هذا الهجوم المباغت الخسائر بسبب فدائية النضر بن الأزور فقد قتل قائد الروم دريجان رغم أنه بحراسة كتائب فرسان بيزنطة وقد شكلت هذه الهجمة للنضر هزة نفسية للجندي الرومي.

بدأ الروم يفكرون في هجوم على ميمنة جيش المسلمين ليشكلوا منها ثغرة وكان لواءها لعمرو بن العاص، تراجع عمرو أمام التفوق العددي للروم ولكن من لطف الله أن التفت الخيالة وتدخل خالد بن الوليد فشكلوا كماشة على قناطر الروسي فتراجع مغلوبًا لجيشه.

ثم أصبح يوم خسارة العيون؟

هجم الروم على نفس الجهة اليمينية التي لواؤها لعمرو بن العاص، فهجم أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان على جيش الروم ليربكوهم وينجزوا فيهم، ولكن تلقى المسلمون وخاصة أبو عبيد ويزيد عناء وهزيمة من الروم فأمطروهم بالنبال فاختلوا وخسر الكثيرون أعينهم، ومنهم أبو سفيان، فلقد خسر عينًا بحنين واليوم باليرموك فصار ضريرًا، تراجع المسلمون فأخذ النساء يرمونهم بالحجارة ويقولون أين تفرون وتتركوننا للعلوج.

هند بنت عتبة تنادي في المسلمين أن يرجعوا ليقاتلوا، سمعت بما جرى لزوجها، خافت على القائد يزيد ابنها، هاجت الهيجاء وعلا الغبار، خولة بنت الأزور تمسك بالسيف وتقاتل، نظر عكرمة بن أبي جهل لزوجته أم حكيم تقاتل بعمود خيمتها الروم، وتقتل منهم، تذكر يوم أحد، تذكر يوم الخندق، تذكر كيف تراجعوا، وكيف كادوا للرسول، فرفع سيفه وسط الهيجاء واختلاط الناس وانتشار الإشاعات فلا يعرف هم في الهزيمة أم في النصر أم هي كرة، نادى من يبايعني على الموت، لم أترك موقفًا إلا وأذيت فيه رسول الله، فأفر اليوم ؟ من يبايعني على الموت؟ كان أول من بايعه على الموت الفدائي النضر بن الأزور وابنه عمرو بن عكرمة، نظرت أم حكيم من بعيد لزوجها وابنها يتقدمون مع 400 بقيادة زوجها وهو يزأر بين الهيجاء من يبايعني على الموت، ينطلق عكرمة ومن معه نحو قلب جيش الروم فيقاتلوا قتالًا شديدًا ويصابون إصابات قاتلة، تراجع الروم أمام المسلمين وأمام الـ 400 فارس وقبل أن يتوفى عكرمة متأثرًا بجراحه حمد الله أن المسلمين بخير وأنه تم صد الهجوم.

أرسل الروم لخالد بن الوليد عرضًا بالهدنة لثلاثة أيام فقال خالد لهم: نحن مستعجلون لإنجاز هذا الأمر، تحول خالد بن الوليد منذ هذه اللحظة من إستراتيجية الدفاع إلى إستراتيجية الهجوم، في صباح اليوم السادس تفاجأ الأمير الروسي بأن عمرو بن العاص اليوم هو من يهجم فاختل توازن ميسرة الجيش فتدافعوا ناحية القلب فاضطرب جيش الروم اضطرابًا عظيمًا وتدافع الجنود وقد ألقي في قلوبهم الرعب، وقد فعلت ميمنة جيش الروم تقريبًا ما فعلته ميسرته عندما هجم عليها شرحبيل، لعلها هول المفاجأة.

وبمناورة عبقرية من خالد بن الوليد عزل خيل الروم عن جيش الروم فتراجع الروم بهلع هربًا من المسلمين، فوجدوا بذلك الفدائي عاري الصدر النضر بن الأزور في انتظارهم بكتيبة تضم 500 من الفرسان، لم ينسوا الـ 400 فارس وما فعلوا بهم، أغلق النضر ورجاله لسد المعبر الضيق بأمر من خالد بن الوليد، فصار بذلك جيش روما العظيم محصورًا عند الجرف لا يستطيعون أن يستخدموا سلاحهم، فاختل توازن جيش الروم حتى سقط الكثيرون من الجرف، في المساء ظهرت البينة وعلت الكلمة وصدحت المقالة تغني عن أي سؤال، لقد انتصر المسلمون وظفروا، لم يهدأ خالد بن الوليد ولم يمكث مع أصحابه يشكروا الله ويحمدوه على النصر، بل تتبع وفي عتمة الليل فلول الروم حتى ظفر بالقائد الأرميني فاهان وقتله، فزعت الروم وتشردوا بين مصر وأنطاكية، هلع هرقل فجلبوا له صليبه واستقل سفينة بعدما طلب الغفران في الكنيسة فودع الشام للأبد.

وعلى الهامش كان هرقل يعول على زوج ابنته كسرى فارس أن يحمل معه ضد المسلمين، ولكن يبدو أن الخليفة عمر بن الخطاب فطن لذلك فجرت بينه وبين كسرى فارس مراسلات يعرض عليه الإسلام وكأن كسرى فارس سكن بمراسلات خليفة المسلمين له، غلبت الروم وظهر الحق فعادت الشام للمسلمين فلم يؤذوا أيًا من الرهبان والقساوسة الذين خرجوا مع جيش الروم كما هو ملاحظ بل رجعوا لعهود الأمان والسلامة، وتحررت الشام العربية من سيف الرومان ودخل الإسلام إليها، فلم تشهد الشام هذه الجلجلة وهذه الصلصلة بين الإسلام وغيره إلا في عهود الحملات الصليبية فيما بعد، والآن هل سنشهد يرموكًا أخرى بالشام، فاليرموك أيضًا كانت حربًا عالمية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

قصة الإسلام لراغب السرجاني
كتاب الطريق إلى دمشق
وكتاب الكامل في التاريخ المجلد الثاني
عرض التعليقات
تحميل المزيد