باتت ظاهرة متكررة في السنوات الأخيرة، أن تقوم «حرب» افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب فيديو لمتحدث أو متحدثة، يشرحان فكرة أو نظرية علمية، ثم يُقال: إنهم يروجون للإلحاد، أو ينشرون أفكارًا إلحادية. ينقسم المتابعون بين مدافع ومهاجم، ويستمر النقاش عدة أيام، قبل أن ينطفئ، ليعاود الاشتعال مع فيديو أو منشور جديد.

هناك مخاوف من أن النزعة العلمية وانتشارها، قد يتسبب بالإلحاد. تعني النزعة العلمية أن العلم قادر على تفسير الظواهر المختلفة، وفق قواعد وقوانين محددة. مصدر الخوف، هو أن هذه النزعة تعني تغييب دور الإله في هذه القوانين والظواهر. هذه الظاهرة انتشرت في بداية الألفية غربيًّا على أيدي ملحدين غربيين مثل ريتشارد دوكينز، وسام هارريس، وغيرهما، وبطبيعة الحال وصلت للعالم العربي. ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وانتشار منصات تبسيط العلوم، ظهرت هذه المخاوف بشكل واضح، بدون أن يترافق ذلك بدعوة مباشرة للإلحاد في أغلب الأحيان.

بالعودة للتاريخ البشري، قبل الثورة العلمية، وحتى قبل الأديان السماوية، نرى أن البشر عبدوا القوى الطبيعية، مثل الشمس والنار والمطر والقمر وغيرها. عبدوها لأنهم رأوا فيها قوى خارقة لا يمكن التحكم فيها ولا فهم طبيعتها وطرق ظهورها. بعد الأديان السماوية، بدأ الإنسان يدرك أن هذه القوى، إنما هي مخلوقات من صنع الإله. جاءت الكنيسة وطورت رؤية للكون، ودافعت عنها، لكنها في النهاية استسلمت أمام الاتجاه العلمي والذي بدأ يحلل ويشرح أسباب هذه الظواهر ويكتشف القوانين الناظمة لها ، ويمكن القول حينها إن الالحاد الناتج من العلم قد بدأ (لا أنسى هنا مواقف الكنيسة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي ساهمت في عملية الإلحاد، لكن الحديث محصور عن الجانب العلمي).

وبغض النظر عما إذا كان موقف الكنيسة من العلم، كان سيبطئ من هذه النزعة، فعلى الجانب الإسلامي، كان المسلمون محصنين من الردات العنيفة للاكتشافات العلمية هذه. ببساطة، لأنه لا يوجد مشكلة وفق التصور الإسلامي لقدرة الله على الفعل المباشر أو غير المباشر. فهناك القدرة المباشرة المتمثلة بكن فيكون، وهناك القدرة غير المباشرة، إن صح التعبير، باستخدام المخلوقات الأخرى مثل الريح والمطر وغيرها كما نعرف جميعًا من القصص القرآني. لذلك لم تكن الاكتشافات العلمية في يوم ما، تشكل أي مشكلة لدى المسلمين من هذه الناحية، وذلك عبر التاريخ. بل إن وجود ظاهرة «الإعجاز العلمي» في القرآن، تؤكد ذلك. عبر القدرة على تأويل النصوص الدينية وإعادة شرحها (والذي يتم عادة عبر الكثير من التلاعب بالألفاظ) بما يتناسب مع أي اكتشاف علمي جديد تقريبًا. هذا التيار ما يزال قائمًا وبقوة في بعض الأوساط حتى يومنا هذا.

لكن في الخمسة عشر سنة الماضية، ومع بدء ظهور شبكات التواصل الاجتماعي، وزيادة الوصول للإنترنت، بدأت تظهر ردات فعل على كل هذه الظواهر، سواء كانت ظواهر الإعجاز العلمي، أو ظواهر النزعة العلمية، وشيئًا فشيئًا بدأ يحدث الصدام. وبتصوري خسر الإعجاز العلمي التقليدي أمام النزعة العلمية، فالشباب الناشئ والمطلع على النقاشات والثقافة الغربية، والقادر على البحث باللغات الأجنبية، لم يعد يقتنع بالعبارات المرسلة من قبيل وجد الباحثون الغربيون أو دراسة جديدة من هارفرد تؤكد ما هو موجود في القرآن. بدأ الجمهور يطالب بالتوثيق، وعندما لم يحصل التوثيق، كانت هناك ردات فعل عنيفة، تسببت بشكل عام في زيادة النزعة العلمية هذه.

تدريجيًّا، بدأت تظهر تيارات إسلامية جديدة، تحاول أن تتعامل مع النزعة العلمية، بمنطقها نفسه. أي بالعلم وبالاعتماد على الدراسات الغربية. لا يمكن القول إن هذه التيارات متشابهة في مقاربتها، بل بعضها متعاكس، وإن كان الهدف العام نفسه، محاولة كبح الميول الإلحادية. بعض هذه المقاربات كان أكثر واقعية برأيي، واتسم بفهم أكبر للتغيرات التي تجري في العالم وانطلق من فكرة أنه وإن كان هناك مجالان مختلفان بين الدين والعلم، فإنه يمكن التوفيق بينهما، بدون الإضرار بالدين.

هذه المقاربة، سرعان ما جرت معارضتها، من التيار الثاني، والذي كان موقفه بالمحصلة مقاربًا لموقف الكنيسة الغربية في فجر النهضة العلمية. بشكل رئيسي رفض النظريات والطروحات العلمية طالما أنها قد تؤدي (وأركز أنها قد تؤدي) للإلحاد، أو بتعبير آخر، رفضها بشبهة الإلحاد. هو الوضع نفسه تقريبًا مع الكنيسة، عندما قاومت هذه الطروحات العلمية بدلًا من احتوائها، قبل أن تستلم لها. هناك مقاومة كبيرة للطروحات العلمية لدى هذه التيارات، بسبب تضخيم واهم حول قدرتها على التسبب في إلحاد الناس، وهي تتناسى أن الإلحاد ليس بعدًا واحدًا، وأن الملحد لا يصل لهذه المرحلة بناء على قضية واحدة، سواء علمية أو سياسية أو تشريعية، بل غالبًا ما تتداخل هذه القضايا.

المشكلة الأكبر، هي الطريقة التي تتعامل بها هذه التيارات مع النظريات العلمية. فهي لا تفندها بطريقة علمية، بل بطريقة دينية. وليس عبر تقديم دليل علمي بديل، بل عبر الشك في الدليل العلمي المطروح. ولا شك أن العلم يقبل بذلك، يقبل الشك بالدليل الذي يقدمه، ويقبل هدم الدليل عبر إثبات عدم صحته أو فاعليته أو قوته، سواء أُتبع ذلك بتقديم دليل بديل أم لا. وعندما يحدث رفض للدليل بناء على معطيات علمية، لا يعني ذلك في كثير من الحالات دقة الدليل البديل أو صحته.

وهنا إحدى المشكلات التي وقعت فيها هذه التيارات. ففي حين أنه من المقبول تمامًا رد الدليل العلمي بدليل علمي، فإنه لا يمكن اعتبار النص الديني بديلًا لدليل علمي، مهما كان هذا الدليل هزيلًا أو ضعيفًا، لأنهما من طبيعة مختلفة.

هذه نقطة مهمة يجب فحصها جيدًا لدى هذه التيارات عندما تفند الدليل العلمي. ففي بعض الأحيان، تعتمد هذه التيارات على طبيعة العلم المتغيرة وغير اليقينية، لنفي أو إضعاف الدليل العلمي. فكون عالم ما، قال عن اكتشاف جديد إنه يعيد رسم معرفتنا عن نظرية ما، فلا يعني ذلك أن تلك النظرية قد سقطت. يشبه الأمر كثيرًا نقل حديث نبوي بين مرتبتي الصحيح والحسن مثلًا، فهل يعني ذلك أن الحديث في هذه الحالة ضعيف أو مشكوك فيه؟

إن وجود علماء غربيين يرفضون النظرية العلمية، لأسباب مختلفة، بعضها ديني، لا يجعل الدليل الديني أعلى قدمًا في السياق العلمي. لأن حجة واستدلال الدليل الديني، مختلفة عن حجة واستدلال الدليل العلمي. وجود العلماء الرافضين، لا يعني أن المسألة العلمية موضع النقاش خاطئة وخرافة ووهم، وإلا لصح ذلك حتى على الدين، فوجود عالم يرد حديثًا، لا يعني أن الحديث خاطئ وخرافة ووهم. هذا إن تجاهلنا وجود أنه غالبًا هناك عدد أكبر من العلماء والمختصين والذين يدعمون النظرية موضع التفنيد، فلماذا يتم التركيز على القلة دون الكثرة؟

الإشكالية الأخرى التي تقوم بها هذه التيارات، هي تسخيف النظرية العلمية لدرجة تقارب نفيها، كقول خرافة، أو فشنك أو «لبن» أو غيرها. لا يقتصر الأمر على نظرية التطور، بل حتى في بعض علوم الأحياء والفيزياء والرياضيات (الفيزياء الكونية، ميكانيك الكم، وغيرها من العلوم). يضاف إلى ذلك، أن تفنيدها، يتم بحجة عقلية بدلًا من دليل علمي.

يزداد الأمر سوءًا في بعض الأحيان، حتى يصل الأمر لنفي أن العلم التجريبي هو مصدر للمعرفة، وحصر مصادر المعرفة بالنصوص الدينية، وكأننا نتحدث عن النوع نفسه من المعرفة. هذه المقاربة المبالغة في حمائيتها، تذكرنا بالكثير من الفتاوى عن حرمة الراديو والتلفاز والإنترنت والتصوير وغيرها، والتي لم تصمد أمام عوامل الزمن. الدافع وراء تلك الفتاوى كان الحماية أو سد الذرائع، الدافع نفسه وراء رفض النظريات العلمية ومحاولة «نسفها». في الحقيقة، فإن بعض الردود التي تُقدم، تعطي حججًا للملحدين، لم يكونوا قد انتبهوا لها أصلًا، فضلًا عن إظهار نقاط لم يكن أحد يعرف أنها يمكن أن تستخدم في حجة إلحادية أساسًا.

من المهم أن تدرك هذه التيارات، أن العلم بوصفه نتيجة مباشرة للتجربة أو الملاحظة أو القياس، يخرج بنتائج محايدة. فهو من النادر أن يهتم بمن فعل الظاهرة، بل يهتم أكثر بكيف حدثت الظاهرة. وبالتالي وجود ملحد غربي يقول إن نتيجة ما تدعم فكرة عدم وجود إله، لا يعني بالضرورة أن ذلك صحيح، بل هذا هو تحليل هذا الملحد للمسألة، وغالبًا هو تحليل محمل بالأيديولوجيا. للأسف، تتحول هذه التيارات لمهاجمة المسألة ونفيها، بدلًا من سحب البساط من تحت الملحد وتحديه في فهمه لها.

هل يمكن لتيار بين هذين التيارين أن يثبت أنه أكثر فاعلية أو نجاحًا؟ هذا يحتاج للكثير من الوقت لمعرفة ذلك، وربما لن يتبين الأمر قبل عدة سنوات. لكن اليوم هناك جمهور واسع لكل تيار. وأعتقد أن هناك خلافًا كبيرًا بين طبيعة الجمهورين، تعكس أيضاً طريقة تفكير كل منهما. لا أملك دراسات أو تحليلًا لطبيعة العقل الجمعي لهذين الجمهورين، لكن طبيعة الخطاب الجاذب للجمهور، تحدد ماهيته. وأعتقد أن الأغلب من الجمهور يبحث عن انتصار حاسم أو معنوي أو حتى صوتي، ولا يهمه القضية العلمية محل النقاش، بل تتداخل الحزازيات الشخصية أو يتم الوقوف مع طرف بناء على مقاربته لمسائل أخرى كالموقف مع أو ضد الغرب أو الحركات الإسلامية، أو الموقف من الربيع العربي أو غير ذلك. وأعتقد أن مقياس النجاح ليس بحجم الجمهور، لكن بمدى قدرة هذا الجمهور على التعامل مع التغيرات العلمية التي ستظهر في كل مرة. هل سيتقبلها الجمهور ويدمجها ضمن فهم عام أن هذه الاكتشافات لا تنقص من دور الإله، ولا تشكل أدنى مشكلة لدوره، أم أن هذه الاكتشافات، هي تطاول على دور الإله، وهي خطة مدروسة من الملاحدة والغرب، لنفي الإله، وتثبيت الحضارة المادية؟ كم سيصمد هذا الجمهور أو ذاك أمام هذه الاكتشافات، هو مقياس النجاح. لأن الأكيد أن هذه الاكتشافات لن تتوقف ولن تختفي، بغض النظر عن موقفنا منها، سواء كانت اكتشافات علمية أم خططًا خبيثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد