تعتبر معركة وادي المخازن أو كما يسميها البرتغاليون “كارثة الهجوم على القصر الكبير” أكبر هزيمة في تاريخ الإمبراطورية البرتغالية التي كانت ممتدة في تلك الأثناء على قارة أوروبا، وأفريقيا، وآسيا والقارة الأمريكية، حيث مكن الأسطول البحري البرتغالي من توسيع نفود الإمبراطورية رغم قلة عدد سكانها، فقد تأسست البرتغال انطلاقًا من حركات الاسترداد لشبه الجزيرة الأيبيرية من المسلمين في الأندلس وبالموازاة مع انحسار نفود المسلمين في الأندلس توسعت الجارة الشرقية قشتالة التي كانت رأس الحربة في الصراع مع المسلمين.

وتوجت باتحاد مملكة قشتالة مع مملكة أراجون عن طريق الزواج السياسي للملك فرناندو بالملكة إيزابيلا للاستيلاء على غرناطة آخر معاقل المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية، ونظرًا لقوة مملكة قشتالة (إسبانيا الحالية) فقد اتجهت أنظار البرتغاليين إلى الجنوب في محاولة لتوسيع التجارة ومعالجة التدهور الاقتصادي للبرتغال، وكانت أول خطوة آنذاك هي احتلال سبتة من الدولة المرينية في المغرب.

بعد سقوط الدولة المرينية ظهر الوطاسيون الذين لم يستمر حكمهم لأكثر من ثمانين سنة، ثم برز السعديون في المغرب ونشروا دعوتهم عن طريق الفرق الصوفية، حيث نجحوا في إسقاط الحكم الوطاسي في فاس، فقد ظهرت قوة السعديين عندما قادوا حركة المقاومة ضد الوجود البرتغالي في المغرب الذي برز نظرًا لضعف الوطاسيين، وقاوموا المد العثماني من الشرق وفي هذه الأثناء كان النفود البرتغالي يبدأ من اليابان شرقًا وحتى البرازيل غربًا، حيث كانت طرق التجارة البرتغالية ممتدة من لشبونة إلى ناجازاكي في اليابان، ناهيك عن عشرات المستعمرات الموجودة في القارات الأربعة والتي كانت تخضع للحكم البرتغالي.

بعد وفاة السلطان السعدي عبد الله الغالب، ظهر صراع على السلطة بين طرفين، ففي الطرف الأول كان محمد المتوكل الذي استنجد بالبرتغاليين من أجل تدعيم حكمه، ووعدهم بالمقابل أن يتنازل للبرتغاليين عن جميع السواحل المغربية، وبالفعل فقد استعان ملك البرتغال بعشرة آلاف من الجنود البرتغاليين، وأمده الإيطاليين بثلاثة آلاف جندي، والألمان بثلاثة آلاف جندي، وأرسل إليه بابا الفاتيكان أربعة آلاف جندي.

وفي الطرف الثاني كان عبد الملك الأول السعدي والذي استنجد بدوره بالعثمانيين، وبالفعل فقد أمدوه بعشرة آلاف جندي عثماني، ورغم تحذير ملك إسبانيا للبرتغاليين من عاقبة التوغل في أراضي المغرب لكن البرتغاليين لم يلتفتوا لنصيحة الملك الإسباني؛ فقد رست الجيوش البرتغالية في طنجة وتابعت توغلها في المغرب حتى مدينة أصيلة، حينها بعث عبد الملك الأول السعدي رسالة يستدرج فيها البرتغاليون إلى القصر الكبير، وتأتى له ذلك عندما تم استدراجهم ووقعوا في الفخ حينما نسف الجيش المغربي قنطرة وادي المخازن، والتي كانت المعبر الوحيد للوادي، حيث حوصر الجيش البرتغالي بين الجيش المغربي والوادي، وعندما بدأت المعركة قام الجيش المغربي بمهاجمة البرتغاليين ونجحوا في تطويقهم، وعلى أثر ذلك حاول البرتغاليون الفرار، لكنهم سقطوا غرقًا في وادي المخازن.

بالرغم من توسع الإمبراطورية البرتغالية شرقًا وغربًا وثرائها الفاحش انطلاقًا من الاستيلاء على الثروات الموجودة في مستعمراتها الواسعة، فقد سقط الملك البرتغالي سبستيان بكامل جيشه في المغرب. ففي خلال أربع ساعات وعشرين دقيقة فقدت البرتغال ملكها وجيشها ورجال دولتها، ومات جميع أفراد العائلة الحاكمة باستثناء شخص واحد، وهو ما حدا بالملك الإسباني لاحتلال البرتغال نظرًا للفراغ الذي عرفته السلطة الحاكمة، وأعلن توحيد الإمبراطوريتين البرتغالية والإسبانية، والذي سمي آنذاك بالاتحاد الأيبيري، ولم تستقل البرتغال عن السلطة الإسبانية إلا بعد مرور أكثر من قرن من الزمان .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد