إن عدسة الكاميرا دائرية الشكل، وكذلك الفلاش المنبعث منها دائري مشع كقرص الشمس، تُحب أن تتعرض له.

لا أستطيع إنكار بريقه وقدرته على إغوائي واستمالتي نحوه، ولكن دوائر أخرى تستحوذ على اهتمام أكبر كدائرة المنتصف، وخاصة تلك النقطة التي نبدأ عندها اللعب، بعد إحراز هدف بكرةٍ هي الأخرى دائرية، لها قدرة فطرية على إغوائي.

نتعلم منذ الصغر كيفية التحكم في الكرة؛ لأن الدائرة أصعب ما يمكن السيطرة عليه، ولكنني أظن – وبعض الظن قد لا يكون إثمًا- أن التحكم في عقولنا ومشاعرنا ينبغي أن يُتعلم قبل ذلك، ولكن للأسف فقد كنا بالكاد نتعلم الكرة، لذا فأنا مجاهد في سبيل تحصيل ما لم يُحصل، أصيب في ذلك وأخطئ، أفرح بالصواب وأتحمل نتيجة الخطأ، وآمل دومًا ألا أتعرض للعدسة الدائرية إلا والكرة محور حديثي، وأتجنب التفرع لأمور أخرى.

لكن الأمر ليس بتلك السهولة، فاسمي محمد، وأسكن مصر، أو تسكنني هي، أو ربما نتبادل الأدوار، أسكنها مرة وتسكنني مرات، تنصرني مرة وأنصرها مرات، تخذلني مرة، وقد أخذلها مرات.

لذلك أعبر عما يعتمل في نفسي حتى لا يُسجن داخلي ويموت معتقلًا، وتموت معه أشياء لا حياة لي بعدها، فأُعرِّض بالكلام خوفًا من تصريح يمكنه هو الآخر قتلي في بلدي، التي لم تبرأ بعد ولم أبرأ مثلها، من آفات اكتُشف علاجها منذ أمد سحيق، ولكننا مبتلون بالغش في استيراد أدويتها.

لقد آثرت التعريض بالكلام على التصريح، كما أشرت؛ دفعًا لدوائر الصراع التي قد تشغلني عن دوائري المفضلة، وقد فُهم هذا التعريض ووصلني من المعنيين ردودًا على اختلافها، ولكنها كانت تروم الاسترضاء؛ لذلك قررت إيصال بعض الرسائل لكل من يهمه الأمر:

1- لم أعبر عن مشاعري سعيًا وراء الاسترضاء، بل إن التعبير في حد ذاته ومشاركة الهموم يصح أن يكون هدفًا مستقلًّا، لا وسيلة تستتبعها غاية.

2- إن فكرة الاسترضاء لم ترد على بالي مطلقًا؛ لأن ذلك يعني في منطقي البدائي الفطري أن هناك بديلًا يمكن أن يعوضني عن فقدان الشعور بالانتماء، ولكنى لا أقبل عنه بديلًا.

3- حينما أتكلم عن مشاعر الانتماء ينبغي لي أن أتحول من المنطق إلى اللا منطق، كي تكتمل الصورة القلبية التي يصارعها العقل دومًا، بأن الأرض، على الرغم من صلابتها، فإنها قادرة على احتوائي. أنا الكائن المكرم بالعقل القادر على الاحتضان والاحتواء، أنتظرُ من أرضٍ أطأها بقدمي أن تحتضتني، هكذا يلح عليَّ القلب طوال الوقت، وفي كل مرة أصدقه وأنتظر ثم أنتظر، وربما سأظل هكذا طوال العمر منتظرًا.

4- قد يظن البعض – وبعض الظن قد يكون إثمًا- أن الشهرة أكسبتني غرورًا ما، دفعني للتعالي والتجرؤ على وطن يفخر بي فتنصلت منه. لن أستطيع أن أرد اتهامي بالغرور والتعالي، بل لعلي كذلك فعلًا، فلست منزهًا ولا نبيًّا، ومخطئ من يدفع عن نفسه مثل تلك التهم؛ لأنها حينما تتملك من أحد تُخدر خلايا الوعي داخله، حتى لا يشعر بها تسري في أوصاله، ولا أعلم – في حدود ما أعلم- أن هناك من أقر بغروره وتعاليه عن إيمان ويقين، ربما يقر البعض إرضاءً لمن يحب، أو وأدًا لفتنةٍ ما. وحسبي ربي في ذلك برحمته وعفوه، أو بجبروته وعقابه، وله مني الرضا في كل أحواله.

5- أما عن الوطن المفتخر بي فردي على ذلك أن أبناء الوطن لهم حق الفخر، أما فخر الوطن ذاته فهو نافلة لا يصح أن يقيمها ويترك فريضة الدعم لأبنائه (كل أبنائه).

6- على ذكر الشهرة التي أعشقها وأبغضها في آن، لأسباب ليس لذكرها مجال هنا، إن ما تعرضت له جعلني أسأل سؤالًا عابرًا – أو هكذا بدا لي- إن كان ذلك يحدث مع المشاهير، فما الذي يحدث مع البسطاء؟!

7- إن منَّ الله على المنطق وأعاده من منفاه، ليسكن العقول من جديد، سنعلم أن الاعتذار يُصبح ذا قيمة فقط حينما يكون جزءًا من منظومة أكبر، تبدأ به، وتنتهي بإجراءت تضمن عدم تكرار الأخطاء، أما الاعتذار بألفاظ تتردد في الفراغ، فهي تُستخدم فقط من أجل الونس الذي ينشده ضال للطريق في أرض فضاء، تُبعد عنه الوحشة، وتوهمه بالاطمئنان، لذا فإن أُطلق في غير محله صار عديم القيمة، فاقدًا المصداقية، كساقية في أرض زراعية تدور دون أن تروي الأرض.

8- أستطيع استنتاج ما يدور في أروقة عقولنا، أن الاعتذار والأسف محمودان، ولا أُنكر ذلك، ولكنني أُنكر البيئة التي جعلت منه في ذاته هدفًا، تلك البيئة التي انتشرت فيها مقولة عن المعتذر «كتر خيره»، ولكني لا أرى خيرًا في اعتذار صار غاية يعقبها فراغ لا وسيلة يستتبعها إصلاح بالضرورة.

9- على ذكر الغايات، إن منحي شارة الكابتن يدل على أن المسؤولين عن المنح، وبالتبعية عن المنع، أهانوني دون قصد أو بنوايا حسنة – ولا يكفي وصف النوايا بالحسن لتبرئتها مما قد تتورط فيه من جرائم- لأن منحي الشارة نوعًا من الترضية يعني أنها غاية في ذاتها، وذلك تراه عيني سوء تقدير، وتسمعه أذني إهانة، ويتلمسه جلدي جرحًا غائرًا.

10- على ذكر الشارة، إن الكثير يقولون إنها تكليف، ويعاملونها على هذا الأساس، والبعض يدّعون أنها تكليف، ويتعاملون معها في الواقع بمنطق التشريف، أما أنا فأراها تكليفًا مشرفًا؛ لأنني لا أستطيع إنكار مدى الشرف والفخر الذي سيحيطني عند ارتداء تلك الشارة، نعم «سيحيطني» بحرف السين الذي يدل على المستقبل، لأنني أرفضها؛ فهناك من هو أحق بها مني طبقًا للعرف المتبع منذ الأمد، ولذا فإنني أرفض التغيير بهذا الشكل دون أسباب عملية مقنعة، يتبعها وضع معايير بديلة للاختيار، وأمد محدد للتحول من نظام إلى نظام.

11- أخيرًا أحب أن أنوه عن بعض الأخبار التي تُتداول عن استبعادي من المعسكر القادم، إنني لم أُستبعد، ولكنني اعتذرت عن عدم الحضور لأسباب عديدة قد تقنع البعض، وقد يرفضها البعض، وقد أُعلنها وقد أُخفيها، ولكنه في النهاية قراري، اتخذته متحملًا تبعاته، وكنت أتمنى ممن أعلن هذا الخبر أن يُعلنه صحيحًا متحملًا نتائج الصدق، وإن كانت دمارًا.

هذا بيان خيالي ساذج لا يمت للواقع بصلة، من وحي خيال كاتب تخترق عقله آمال وأماني ساذجة مثل بيانه، فهو لا يتعلم شيئًا، ولا يعرف من أمور الدنيا شيئًا، ولن يصل إلى شيء، ما دام بقي على تلك السذاجة، فألا لعنة الله على الخيال المريض.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد