مبروك، لقد أصبحت موظفًا حكوميًا. هل تتقاضى أجرًا جيدًا!

إن هذا بمثابة إعلان فوز لشخصك الروتيني على شخصك المبدع بالضربة القاضية، لينتقل الأخير إلى عالم سرمدي، راقدًا في سلام دائم.
تلك المنافسة التي بدأ جرسها بالرنين تزامنًا مع جرس الحصة الأولى في المدرسة لتخطو بذلك خطوتك الأولى في عالمٍ من التكرار والروتينية.

لندرك ذلك أكثر؛ فلنعد إلى البداية، بدايةُ ولادة تلك الكتلة الحية التي لا تحتاج من حاملها سوى الاعتناء بها وحمايتها، وما تلبث إلّا أن تتحول إلى جهاز استكشاف لما حولها، وسرعان ما يبدأ الطفل حركته على قدميه؛ فيتحرك ليلعب؛ ويلعب ليستكشف؛ ويستكشف ليعرف؛ ويعرف ليُبدع؛ ويُبدع ليرسم صورةً لواقعه الخاص في مخيلته لا متناهية الكبر المُحوطة بمخ متناهي الصغر، ليضرب بذلك بقوانين العلم ونظرياته عرض الحائط.

من تلك النقطة جلي لنا حقيقة أنك إذا أردت التعلم أسرع ففكر بعقل طفل، فقد يقصر ذلك طريق الوصول إلى إجابةٍ لسؤالٍ مطروح، ومن تلك النقطة أيضًا جلي لنا حقيقة التفكير خارج الصندوق، والخروج من التفكير التقليدي المُحاصر بكثير من التزامات وفروض الواقع مما يُحتم عليك نتيجة واحدة، ومن تلك النقطة أيضًا جلي لنا حقيقة أن العباقرة يفكرون بشكلٍ ما مقارب لتفكير الأطفال.

وقد اتفقت الإحصائيات المُقامة على الأطفال على أن غالبيتهم الذين تتراوح أعمارهم من السنة الأولى إلى الخامسة هم مبدعون، ولكن سرعان ما تتحول المعادلة إلى عكسها ببلوغ الطفل سنواتٍ سبعًا، وهو في الغالب سن الالتحاق بالمدرسة؛ لذلك يتردد سؤالٌ دائم الطرح في أذهنة الباحثين، وهو: هل المدرسة تقتل الإبداع؟!

ولنبرهن على إبداع الطفل وأنه يصل إلى أنه يمتلك قدرةً على فهم ما قد يفكر به شخص آخر؛ ففي حوارها في «تيد» تحدثت «أليسون جوبنيك» عن تجربتها مع إحدى تلميذاتها تُدعى «بيتي»، فقد قدموا طبقين للأطفال: أحدهما من القرنبيط غير المطهو والآخر من البسكويت اللذيذ على شكل سمكة، مع العلم أنهم يحبون البسكويت ولا يحبون القرنبيط غير المطهو، وسارت التجربة كما يلي على لسانها:

«ولكن ما فعلته «بيتي» بعد ذلك هو أنها تذوقت القليل من كل طبق. ثم أظهرت تعبيرًا وكأنها تحب ذلك الطعام أو لا تحبه. في بعض الأحيان تصرفت وكأنها تحب البسكويت ولا تحب القرنبيط – تمامًا كالطفل الصغير أو أي شخص طبيعي. ولكن في النصف الآخر من عدد المرات، ما كانت تقوم به هو أخذ قليل من القرنبيط ثم تهتف، «ممممممم قرنبيط لقد تذوقت القرنبيط. ممممممم» ثم تتناول بعض البسكويت، وتهتف، «يعععععع بسكويت. لقد تذوقت البسكويت. يعععععع». إذن فقد أظهرت أن ما تريده كان عكس ما يريده الطفل. قمنا بتلك التجربة مع أطفال بعمر خمسة عشر وثمانية عشر شهرًا. وبعد ذلك كانت تمد يدها إلى الطفل وتقول، «هلا أعطيتني بعضًا منه؟».

والسؤال هنا هو: ماذا سيعطيها الطفل، ما يحبه هو أم ما تحبه هي؟ والجدير بالملاحظة أن الأطفال بعمر ثمانية عشر شهرًا، الذين بالكاد يمكنهم المشي والحديث، كانوا يعطونها البسكويت إذا كانت تحب البسكويت، وكذلك كانوا يعطونها القرنبيط إذا كانت تحب القرنبيط. وعلى الجانب الآخر، فإن الأطفال بعمر خمسة عشر شهرًا كانوا يحدقون بها فترةً طويلة إذا أظهرت حبها للقرنبيط، وكأنهم غير قادرين على تفسير الأمر ولكن بعد التحديق لفترة، كانوا يعطونها البسكويت، أي ما يعتقدون أن على الجميع أن يحبه. إذن فهناك أمران جديران بالملاحظة في ذلك. الأول أن هؤلاء الصغار بعمر 18 شهرًا قد توصلوا بالفعل إلى تلك الحقيقة العميقة عن الطبيعة البشرية، وهي أننا لا نريد دائمًا الأشياء ذاتها. بل والأكثر من ذلك، لقد شعروا بأن عليهم القيام بما يساعد الآخرين للوصول إلى ما يريدونه.

بل والأكثر إثارة للاهتمام من ذلك، أن عدم تمكن الأطفال بعمر 15 شهرًا من القيام بذلك يقترح أن هؤلاء الأطفال بعمر 18 شهرًا قد تعلموا تلك الحقيقة العميقة عن طبيعة البشر في ثلاثة أشهر منذ أن كانوا بعمر 15 شهرًا. إذن فالأطفال يعرفون أكثر ويتعلمون أكثر من كل ما ظنناه في السابق. وهذه ليست إلا واحدة من مئات ومئات الدراسات خلال السنوات العشرين الماضية التي برهنت على ذلك».

الشاهد الأول في هذا أن الإنسان خُلق بعقلٍ يفكر دائمًا، ليبحث به عما يريحه وعما يوفر له رفاهيته، وقد يفرض عليه وضعه في نظام يومي دائم التكرار أن يُنقص من إمكانيات عقله التي وهبها الله له، أما الشاهد الثاني أن البالغ لن يفكر مثل طفلٍ مهملًا قوانين الحياة المحيطة به، ولكنه يفكر مثله في حدود ما حوله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الطفل, النجاح
عرض التعليقات
تحميل المزيد