«يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره» التوبة – 32، بهذه الآية صدّر الدكتور وليد الريالات – رئيس اللجان التحضيرية للنقابة العامة لأصحاب المدارس الخاصة والتي تمثل أكثر من 400 مدرسة – رأيه الجازم لما بدر من وزارة التربية والتعليم الأردنية من تغيير للمناهج الدراسية، واصفًا إياها بأيدٍ عابثة، متآمرة، حملة شعواء ضد الدين الإسلامي والوطن الأردن. وعلى ذمة صحيفة سوسنة فقد قرر د. الريالات شطب الإضافات وتدريس المناهج القديمة.

موقف آخر يسجّل للجنة الشعبية والوطنية في اتخاذ وقفات احتجاجية كان أهم مطلب لها إقالة وزير التربية والتعليم محمد الذنيبات ومحاسبة نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ووزير الصناعة والتجارة والتموين د. جواد العناني، الذي صرح قائلًا إن الحكومة لا تخجل من تعديل المناهج التي كانت تعلِّم الطلبة حمل السيف والبدء بِقتال. ومن الاستنفارات التي شهدها الشارع الأردني هذه الفترة وقفة لمجموعة معلمي مدينة معان مطالِبين بإدخال الشريعة في كل درس وأنهم سوف يحثون الطلبة على إطلاق لِحاهم على سنة الرسول صلى الله عليه وسلم .

وعن تلك التحريفات والتبديلات فمنها ما مسّ بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فدعاء الدخول والخروج من الحمام تم استبداله، شطب درس سورة الليل ووضع درس السباحة، شطب درس العدد في القرآن ووضع درس الحمامة الصغيرة، استبدال كلمة «حفظ» ووضع كلمة «قراءة» تلاها حديث نبوي. كما تكرر كثيرًا مشاهد إبادة كاملة للآيات من بين السطور، حذف اسم محمد وإبدال منير به وكذلك حنين بفاطمة، حذف سؤال كيف يمكن أن يتحرر المسجد الأقصى، وللذي أمعن في هذه التبديلات فإنه سيقف بنفسه على تعديلات أصابت رموزًا أردنية كذلك .

لقد تم شطب سطور متعلقة بالشهيد الأردني الطيار فراس العجلوني، هذا الطيار الذي كتب في سجله أنه أول ضابط عربي يسجل اختراقًا للأجواء الإسرائيلية. وكذلك شطب كلمة فلسطين وجعْلها معرّفة بإسرائيل. إذًا فالدين لم يُستهدف وحده بل هناك بعض الأمور الوطنية يجب أن ننظر إليها بشكل قد يضر المصالح مع إسرائيل مثلًا، وأنا هنا أوجه حديثي للمسلمين في الأردن الحبيب. لماذا تستغربون من تغيير المناهج الدراسية؟ لا أعني حرفيًا أن نقف ونصفّق لها -بطبيعة الحال – إلا أنها تكملة لمسيرة الأردن في تصدير رسالة الإسلام التي تشربت العلمانية، يعترف مسؤولون أنه منذ اتفاقية السلام بين الأردن وإسرائيل عام 94م، شهدت المناهج تغييرات كثيرة ناعمة جدًا لم يتم الإعلان عنها، وأن هناك تغييرات كثيرة أخرى لم يتم اكتشافها بعد.

فالأردن بطبيعة الحال لا تتصدر الدعوة إلى الإسلام وهي تعترف بذلك، هذا ليس اتهامًا بل حقيقة، فكل مساعي الأردن مساع مدنية ووطنية لصالح مشروع إنمائي مشترك بين المؤسسة الأردنية والأمريكية، لذا ولا يخفى على الكيّس الفطن تعارض مفاهيم مثل المدنية والديمقراطية مع عقائدية الإسلام، وإذا ما اتسعت صدورنا لهذا الأمر فسيتحيّن علينا تفهم هذه التعديلات وإن تم نقدها، ثم يا أهل الأردن الحبيب؟ أين أنتم من كثير من الفعاليات والنشاطات الاجتماعية المخلة بالآداب والفكر الإسلاميّين، أين أنتم من فعاليات «فكر جديد» وعيد البيجامات والألوان و«مش عارف شو»، ومن ظاهرة الإفطار في نهار رمضان والتبرج وشتم الله وتوفر محلات الخمر والمشاكل العشائرية وتحكيم شيوخ القبائل وعدم إسنادها للكتاب والسنة؟

هل سمعتم بإغلاق مكاتب الإخوان المسلمين في الأردن والتضييق على السلفيين؟ فلماذا فغر المواطن فاهُ فجأة حيال التعديلات المناهجية، ما الجديد الذي استجد في آلية تصدير الوطنية والمدنية في الأردن، أنا لا أكفر أحدًا بعينه إلا أنه لا يمكن أن تلزم أحدهم بشيء طالما هو لم يلبِسه أصلًا. أما حججهم فهي واهية، البعد عن التطرف ونبذ العنف والتطوير والتجديد، أين العنف والتطرف في اسم محمد واسم فاطمة؟ أو ليس للمواطن الحق في (نعم أم لا) قبل حدوث هذا التعديل، أوليس الأردن بلدًا «ديمقراطيًّا»، أين «حاكمية الشعب» هنا؟ ألم يتوقع المواطن الهزيل النزيل يومًا أن هذا التعديل مرهون بتطور المصلحة السياسية وأنه سيحدث عاجلًا أم آجلًا، يأتي كالموت يكون له أعيننا وأعين أطفالنا؟ المسألة بديهية جدًا جدًا .

برأيي فقد كان من المسلّمات أن يتم هذا التعديل اليوم أو غدًا، هذا الأردن الذي كان حاضنة القضية الفلسطينية والمسؤول عن باحات المسجد الأقصى لا نرى وقفة جادة لما يحصل من انتهاكات، أوليس هذا القعود متوقعًا بعد اتفاقية السلام؟ هل هناك ضغوط سياسية؟ لا أكترث. وإن كانت هناك، فهي ليست مبررًا لماذا؟ لأن الحكومة غير مُكرهة! إن الأردن تسعى لتحقيق متطلبات دولية أشمل وأكثر اتساعًا (عولمة)، فكرة واحدة يقبلها الجميع (عولمة) وحضن واحد يتسع لجميع التوجهات (عولمة)، وهذا يجعلها تغربل كثيرًا من الأمور وترفع شعار مزيد من التغييرات الناعمة غير الملحوظة والملحوظة، قد تتنافى هذه السياسة نظريًا وتجريبيًا مع الحراك والمطلب الشعبي. وما المشكلة أن تتنافى؟ فالمواطن بيدق في لعبة شطرنج طالما المصلحة السياسية تخدم أمة لا فردًا

يقول فطين البداد: «القائمون على تغيير المناهج أغفلوا حقيقة ناصعة: وهي أن محاربة عقيدة الخوارج من أمثال داعش وأشكالها يكون بالحقائق وليس باختراع دين جديد، بتثبيت قيم الإسلام السمحة وليس بشطب وتبديل كل ما له صلة بالإسلام العظيم». ولإعادة أو تثبيت الروح والقيم الإسلامية المعتدلة وجب تلقين المواطنين على طرق أكثر تحضرًا للاستنفار، البدء من الصفر ومحاربة كل المعاصي الممكن حلّها، أما (المجاملة) في انتقاد هذه الخطوة لهي أشد قذارة من الخطوة نفسها، وهذا التبديل الخطير يقتضي اثنين: واحد يشرّع المناهج الجديدة وآخر يصغي له، والآن حق الإصغاء من عدمه متمثل بإرادة شيوخ ومثقفي الشعب الأردني، لذا وجب أن تكون الوقفة رادعة. والتغليب وجب أن يكون بصوت المواطن الثائر المثقف المتدين، ولن يستسيغ فكرة التطهير والغربلة هذه إلا منافق. فيا أيها المواطن الأردني اخجل، كن رجلَ المرحلة والإقليم وقاوِمْ .

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد