منذ أن انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة وعلى رأسها موقع فيسبوك الشهير، تفاعل الناس معها وأصبحت تُشكل واقع افتراضي لهم، بل أوشكت أن تكون الواقع الحقيقي والوطن البديل لدى البعض، ويُقدر عدد من لديهم حساب على أحد مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بـ2 مليار شخص، أي أن الموقع يفوق تعداد مرتاديه عدد سكان الصين الشعبية، وقد سجل وانتمى لتلك المواقع وتفاعل معها كافة أطياف المجتمع من كلا الجنسين ومن مختلف الأعمار، ويوجد بالإضافة للأفراد آلاف الصفحات للمنظمات والهيئات والمؤسسات والشركات التي أدركت أن وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة فعالة لإيصال أفكارهم ودعايتهم أو لتسويق منتجاتهم للجمهور المحلي والعالمي، وحتى رؤساء الدول أصبح لديهم صفحات رسمية ينشروا ويغردوا من خلالها في قضايا كبيرة قد تؤثر أحيانًا على قرارات الحرب والسلم المجتمعي والعالمي كما حصل من تغريدات ترامب مؤخرًا بشأن ضرب سوريا.

وقد انتشرت في الآونة الأخيرة الدراسات والمقالات التي تناولت الجانب النفسي المتعلق بالتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي وأثره على صعيد الفرد والمجتمع ومن أبرزها موضوع الاكتئاب وموضوعات الادمان والغيرة والحسد وغيرها الكثير من العناوين التي تحمل التحذيرات في التعاطي مع تلك المواقع وتدعو للتعامل معها بحكمة وحذر.

ماذا يفعل الناس على مواقع التواصل الاجتماعي؟

من خلال تواجدي على أحد أشهر مواقع التواصل الاجتماعي وهو فيسبوك لعدد من السنوات ووجود مئات الأصدقاء الذين قد لا تربطني بالكثير منهم معرفة مسبقة أو علاقة مباشرة، إلا انها تأتي من باب الصداقة الفيسبوكية لأجل الاطلاع على منشورات الآخرين وما بها من أفكار وطروحات، وكذلك لأنقل أفكاري وآرائي الخاصة للآخرين؛ ولا أخفى أني كنت في فترة سابقة فعّالًا على الموقع وحريصًا على نشر منشورات باستمرار أطرح من خلالها أفكاري وآرائي المختلفة، وأبتعد نوعًا ما عن التواصل الاجتماعي، حيث أتعامل مع الموقع كمنبر فكري وسياسي وإخباري بالدرجة الأولى، ولكن بالطبع ليس الجميع يتعامل بنفس الطريقة، فلكل شخص رأيه وسلوكه الخاص في التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، وبحكم وجودي واطلاعي على هذا الفضاء يمكن أن ألخص ما يقوم بفعله الناس على الموقع بالنقاط التالية:

  1.  نشر الأنشطة الاجتماعية المختلفة كالزيارات والرحلات وغيرها، وإرسال التهاني والتبريكات والتعازي للآخرين.
  2.  نشر الصور الشخصية والعائلية وصور الأصدقاء، وتوثيق كل نشاط وكل زيارة أو حتى حدث عابر قد يحمل رسالة أو مغزى ما، وقد لا يحمل.
  3.  طرح الآراء والأفكار والمعتقدات فيما يتعلق بالجانب السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي وغير ذلك من الموضوعات.
  4.  نشر المنشورات الدعوية أو ما يتعلق بالتنمية البشرية والعمل على نقل الفائدة العلمية والآداب للأخرين.
  5.  التعليق المستمر على الاحداث ونقل الأخبار المحلية أو العالمية والعمل كمراسل صحافي.
  6.  المتابعة والاكتفاء بالتفاعل مع الآخرين والتعليق على منشوراتهم، وهناك من يتابع بصمت تام.
  7.  التعبير عن النفس وما بها من مشاعر سعادة أو حزن تجاه حدث عام أو خاص.
  8. منبر للمناكفة السياسية أو العقائدية أو الاجتماعية.

ولا أزعم أن النقاط أعلاه هي كل شيء، فهناك تفاصيل كثيرة جدًا، وهناك من يخلط بين أكثر من نشاط، وهناك الفعال باستمرار، وهناك من يكون فعال ونشيط في فترات محددة، ولو أردنا أن نضع قائمة تفصيلية قد نصل لمئات، بل آلاف التصنيفات المختلفة لكيفية التفاعل من قبل الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي، فلكل شخص أسلوبه وطريقته الخاصة كما أسلفت، وبرز مصطلح جديد وهو نشطاء التواصل الاجتماعي يشير للأفراد الذين أصبح لهم نشاط كبير وبارز ولديهم جمهور عريض يتابعهم ويتفاعل مع منشوراتهم.

ولا شك أن شركات مواقع التواصل الاجتماعي يعرفوا جيدًا نشاط الأفراد والجماعات على مواقعهم من خلال الخوارزميات التي يضعونها ويحدثونها في كل لحظة ليدرسوا ويحللوا كافة الشخصيات ويقفوا على كافة التطلعات للأفراد والبيئات المختلفة وهم حريصون على ذلك جدًا، فلو امتنع أحدنا عن النشر على فيسبوك لفترة زمنية فستأتيه رسائل من الموقع لتشجيعه على ذلك قائلين له: منذ فترة لم ير أصدقاؤك منشوراتك. كما حدث معي على موقع فيسبوك، ولا أدري هل هم حريصون على أصدقائي أم عليّ أم أن سلوكي وفكري وتوجهاتي العامة والخاصة قد غابت عنهم ولم تُحدث لديهم لفترة من الزمن!

كإنسان بسيط لا أملك سوى النظر والاطلاع فبمجرد وجودي على تلك المواقع تعرفت على أشخاص كثيرين استطعت أن أفهم كيفية تفكيرهم وما هي ميولهم وطباعهم. فما حال شركات مواقع التواصل الاجتماعي وشركات البحث أكاد أزعم أنهم حصلوا على تحليلات نفسية عميقة جدًا لملايين الأشخاص ويوظفونها لخدمة شركات تجارية ومخابراتية كبرى، فهذا يساعدهم بالتنبؤ وبتخمين سلوك شخص أو حتى سلوك جماعة من الناس تسكن في بيئة جغرافية معينة.

في الختام، فأن يعرف الآخرون معلومات عنك، وأن يتعرفوا على توجهاتك، وآرائك، فهذا أمر طبيعي، وليس من الحكمة أن ينغلق الإنسان على نفسه، ويصبح كالكتاب المغلق، ولكن الانفتاح الشديد أيضًا أمر خطير أن تمضي الساعات الطويلة على مواقع التواصل الاجتماعي وتبوح خلالها بمشاعرك وأحاسيسك وتوثق كل لحظاتك بالصوت والصورة؛ فتصير كالمواطن والمقيم تُصبح وتُمسي في تلك المواقع متابعًا ومغردًا لكل ما يخطر على بالك، ولكل ما يعتمل في صدرك من الأمور الخاصة والعامة، فهذا أراه أمرًا ليس صحيًا بأي حال من الأحوال، وإن كانت لي نصيحة مختصرة فهي:

تصرف كزائر يعرف حدوده وآدابه ويراعي أنه ضيف، وحذار أن تتصرف كمواطن ومقيم أو كصاحب منزل يفعل ما يحلو له في مواقع التواصل الاجتماعي والفرق بينهما جوهري وكبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد