في الآونة الأخيرة كلما أردت إن أناقش أحد الشباب أو إحدى الشابات في موضوعٍ ما أجدهم يكررون نفس المسألة ويتمحورون حول موضوعٍ يتداولونه بطريقة عفوية، وبعد أن أتقصى عن السبب في تحقق هذه المصادفة، أجد أن هناك شخصية قد طرحت هذه النقطة وهم يرددون خلفها ما يسمعونه، فهم في هذه الفترة يرغبون في المسائل الخلافية والمتعارضة أو المنتقصة من مفاهيم الإسلام والإسلاميين بشكل عام، ولحد هذه اللحظة فإن الموضوع طبيعي ومن حقهم أن يطرحوا التساؤلات باستمرار، ولكن المحزن أنهم يتصرفون مثل الببغاوات يرددون ما يسمعونه عاطفيًا.

وكانت إحدى هذه المناقشات تدور حول سبب استمرارنا في ذكر الشخصيات والأحداث التي جرت عليهم رغم أنهم ماتوا منذ فترة طويلة جدًا، وهم يرددون قوله تعالى (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ويستشهدون بها على وجوب ترك ما جرى ونسيان ما حصل من مآس وحروب وضحايا، وهذا الطرح يلاقي مقبولية لدى الكثيرين من الناس، والسبب هو عدم تفكرهم بالموضوع وإنما يلجئون إليه هروبًا من تحديد المخطئ من المصيب، فهم لا يمتلكون الشجاعة لتحديد جانبي الحق والباطل والوقوف مع الحق ضد الباطل، فرددوا ما قيل لهم وهم يستشهدون بالقرآن، ولكن ما فاتهم أنهم لم يبحثوا عن هذه الآية ومكانها وما قبلها وما بعدها ومع من كانت تتكلم.

ليست الأمور صعبة، فالقرآن يفسر نفسه بنفسه، ولو دققت النظر لعلمت أن هذه الآية نزلت تتكلم مع أصحاب الكتاب والذين يلحقون وينسبون أنفسهم إلى إبراهيم عليه السلام، ويوهمون الناس بأنهم أتباع لسيرة يعقوب عليه السلام، وهذه الآية في حقيقة الأمر تشير إلى عكس الفكرة التي يطرحها المرددون وهم ينعقون بما لا يعلمون، فبهذه الكلمات يوضح الله تعالى لنا بأن هؤلاء المدعين بالكذب والزور ليسوا كما يقولون، وأنهم أمة ليست كتلك الأمة، وأنهم قد خالفوا العهد، ولذلك فإنه تعالى في الآية اللاحقة يقول (وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهذا هو منهاج القرآن الكريم في الوقوف مع الحق ضد الباطل، فحربه ضد المبدأ المغلوط والمتسبب بالمشاكل والمبني على الغش والخداع والجبروت والطغيان، بينما من كان على الحق فإنه لم يمدحه فقط، بل ومن أجله جعل عباداتنا مبنية على حوادث جرت عليه.

 كما هو الحال في شعيرة الحج والتي هي تجسيد لما مر على إسماعيل وأمه عليهما السلام وما مر على إبراهيم عليه السلام، وكل تلك الابتلاءات تحولت إلى شعيرة وعلى المسلمين أن يعظموها، أما قبلتنا التي نحن عليها فإنها صارت كذلك إكرامًا من الله عز وجل لنبيه المصطفى صلى الله عليه واله وسلم (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وما هو أعظم من ذلك، حيث يقول له تعالى: (تَرْضَاهَا) ونحن نتوجه إلى قبلة رسولنا ارتضاها ولو أنه ارتضى غيرها لكانت له قبلة.

هل من المعقول أن القرآن بعد أكثر من ألف سنة ما زال يذكر بني إسرائيل وهو يأمرهم إن يذبحوا بقرة بلا هدف؟! وهل نستطيع أن نقول لله تعالى بأن تلك أمة قد خلت وولت وماتوا وماتت بقرتهم وانتهت المسألة التي من أجلها تم ذبح تلك البقرة، فلماذا ما زالت في كتابك؟! وسبب هذا السؤال هو لأن هذه القصص تجرح مشاعر الإسرائيليين واليهود، ونحن نريد أن نتعايش معهم سلميًا.

 أما رأي القرآن حول عدم صلب المسيح فهو باب خلافي آخر، وسبب في حدوث المشاكل والاقتتال بيننا وبين المسيحيين، وعلى هذا المنطق فان القرآن لن يبقى دستورًا ومنهاجًا للمسلمين، خاصة وهو يمتدح آل إبراهيم وغيرهم مرة ويلعن آل فرعون وغيرهم مرة أخرى، فهو لم ينسهم ولا يريدنا أن ننساهم أيضًا، ويريد منا أن نردد السلام واللعن باستمرار، هذا هو أساس الإسلام فهو إيمان وعمل، وهذا يعني عقيدة وفكرة ومنطقًا مبني على تاريخ وأحداث ووقائع وتجارب ونتائج جاهزة تميز بين طرفي النزاع وهما يمثلان الحق والباطل، وبناءً على كل ذلك يبني الإنسان أعماله لينجو من الوقوع في التهلكة والفتن وخسارة الدنيا والآخرة، فمن تولى الطاغوت والشيطان لعنّاه، ومن تولى الله وأوليائه امتدحناه، فنحن بحاجة إلى أن نفكر ونتفكر ونبحث عن الحقائق وألّا نسلم رقابنا إلى كل من هب ودب، وعلينا أن نكون نحن لا مرآة تعكس صور غيرنا، نحن بحاجة إلى عقولنا في التمييز بين الأمور لا إلى عاطفتنا التي تتقلب مع الأجواء والظروف.

والحمد لله رب العالمين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد