لماذا لا تستجاب دعواتي رغم أنها يسيرة؟ لماذا لا يقبل الله دعواتي؟ ما فائدة الدعاء إذن؟ وتساؤلات أخرى مثلها سألنيها أحد أصدقائي ذات يوم، وقال بأن هذا الأمر من أهم ما جعله يقتنع بالإلحاد، وبأنه ليس هناك إله مدبر لهذا الكون. صديقي ليس الوحيد الذي يطرح هذه القضية، بل قرأت عنها مرات كثيرة في صفحات الملحدين العرب، وأسطر هنا على العرب؛ لأن إلحادهم غالبًا ما يكون مبنيًا على دوافع وأسباب نفسية، وليس على حجج علمية أو فلسفية، وأبرز المنشورات التي لا أزال أتذكرها في هذا الصدد هو منشور عَنوَنه صاحبه بـ(قصتي .. من الإيمان إلى الشك) حيث يتحدث طوال القصة عن سبب واحد أدى به إلى الشك في وجود الله، وهو أن دعواته لا تستجاب، بالرغم من أنه دعا كثيرًا جدًا.

في الواقع ليس الملاحدة فقط هم من يطرحون هذا النوع من الأسئلة، بل حتى المؤمن يعيش ومضات من الشك وفترات من الحيرة والتيه بسبب هذه القضية – قضية الدعاء – وأعترف أنني أولهم وغيري الكثير، فقد طرحت على نفسي كثيرًا هذه الأسئلة: هل يستجيب الله حقًا دعواتنا؟ وهل الدعاء دون عمل كاف؟ ماذا عن العمل دون دعاء؟ والكثير من المسلمين يسألون دائمًا عن سبب عدم استجابة الله لدعوات الناس وأئمة المساجد بنصر الإسلام والمسلمين، رغم أنها تنتشر في جميع البلدان المسلمة وتخرج من مختلف المساجد في مختلف الدول الإسلامية بطول وعرض الكرة الأرضية، ولا ننكر أنه من حق كل واحد أن يطرح هذا النوع من الأسئلة، لكن في المقابل من واجبه أيضًا أن يبحث عن الجواب الشافي، ولا يقف في منتصف الطريق ويدعي الإلحاد بسبب سؤال بسيط وعاد.

إن القضية في الحقيقة أبسط بكثير مما نظن، لكن جهلنا وأهواءنا تجعلنا تائهين عن الحقيقة وتعمينا عن إبصار الجواب، فمن جهة، ليس من المعقول في شيء أن يُلحد شخص ويُنكر على الإطلاق وجود الله بسبب سؤال واحد، فهو ينفي علومًا وأفكارًا وفلسفاتٍ بكاملها تؤكد حقيقة وجود خالق للكون، ويضرب بها عرض الحائط لكي يحيا هواه وجهله، ويستمر في تضليل نفسه، ومن جهة أخرى فإنه لا يخفى على أحد أن الاستجابة المباشرة والفورية للدعاء ستخلق فوضى في العالم ومشاكل كثيرة لا تحصى، وفي نفس الوقت هي غير مفيدة للإنسان، ولا تتماشى مع حقيقة الحياة ولغزها، فاستجابة الدعاء بهذه الطريقة لا تعطي معنى للحياة ولا للإيمان ولا للإنسان، فالحياة عبارة عن ملحمة ومشوار طويل يتصارع فيه الإنسان مع نفسه بحثًا عن ذاته وعن الله وعن الحقيقة الوجودية، وبالتالي فلا بد من العمل والفعل وإقران الدعاء بمجاهدة للنفس والتطبيق على أرض الواقع.

كل هذا نجده في القرآن بشكل واضح وضوح الشمس ومكررًا في الكثير من الآيات والسور، يقول الله تعالى مثلًا في سورة آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (192) رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ(195).

هناك شيء مدهش جدًا في هذه الآيات، وهو أن أولي الألباب الذين يتحدث عنهم الله دعوا أدعية كثيرة بقولهم (ربنا) خمس مرات مما يدل على تأكيدهم على الدعاء واستعانتهم به إلى الغاية، أما ما يثير الدهشة، فهو جواب الله تعالى لهم بعد دعواتهم المتعددة بقوله (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم) وأركز على عبارة (عمل عامل)، فهو لم يقل (إني لا أضيع دعاء داع)، هذا ما يؤكد ما قلناه سابقًا، وهو أن أهم شيء هو العمل، وليس الدعاء، صحيح أن في الدعاء دلالة على التوكل على الله والإيمان به، لكن الجزء الكبير من الأهمية والقوة هي للعمل وليس للدعاء، بل يمكننا القول بأن العمل من دون دعاء قد يؤتي أُكله، لكن لا أريد أن أدخل في تفاصيل هذه الفكرة الآن.

ومن جانب آخر، فإن كل عمل يسبقه علم، ومن هذا المنطلق لا بد أن نعلم بأن هناك شروطًا للدعاء ولقبول الدعاء وربما فلسفة خاصة به، فلسفة ينبغي أن يدركها الذي يدعو قبل دعائه، لكي لا يقوم بالالتفاف حول نفسه وتسمية الأشياء والأمور بغير مسمياتها، ويقول كلامًا وحديثًا لا معنى لهما ولا قيمة في الوقت الذي يظن أنها دعوات تُرفع إلى السماء مباشرة، ثم ينتظر استجابتها وتحققها، ليُحبَط بعدها بالعكس، ويبدأ َمسلسل السخط وإعلان الثورة على الله والدين، في حين أن الثورة الحقيقية يجب أن يعلنها على نفسه وجهله وهواه.

من هنا، لا بد أن نعي تمام الوعي أنه ما هكذا تورد الإبل، فالدعاء وحده خط على ماء أو رسم في هواء ومجرد كلمات تختفي فور انتهاء قولها ولا أثر لها بعد ذلك إذا لم يكن قبلها علم وبعدها عمل، وللإشارة فأنا لا أتحدث عن دعاء المضطر لأنه حالة خاصة، أما المعجزات فأعتقد أن زمانها قد ولى ولا تحدث إلا للقليلين، وفي حالات خاصة ونادرة.

إن هذه المغالطات في فهم الأمور وهذه التأويلات العبثية، وهذا التقاعس والتكاسل والتهاون من أهم ما جرنا إلى مؤخرة الركب الحضاري، يقول مصطفى محمود معبرًا عن المستوى الرديء والوضع الذي نعيشهما (نحن نعيش في العالم الثالث لأنه ليس هناك عالم رابع،ولو كان هناك عالم رابع لكنا نعيش فيه)، وأقول بدوري أنه سيكون هناك عالم رابع وخامس وسادس وستتسع الهوة إلى سنوات ضوئية أخرى بيننا وبين باقي الثقافات والبلدان في حال استمررنا في مراوغة الواقع والحقائق وستبقى النهضة التي نحلم بها مجرد حلم يداعب مخيلاتنا ولا نحرك ساكنا من أجل تحقيقه.

إنني، لكوني أعيش في الغرب، حاولت أن أقارب قضية الدعاء في ضوء ما ألاحظه هنا، وفي ظل سيادة الغرب على العالم، ووجدت أن الغربيين هم من فهم ديننا أكثر منا إلى حد ما، نعم أعي جيدًا ما أقول، فهم أدركوا الحقيقة بالمنطق من خلال فهم سنة الكون وطريقة سير الحياة فلم يعطوا أهمية للدعاء أكثر مما يستحق ولم يغفلوا أولوية العمل كما نفعل، بل علموا أن شحذ الهمم والعزائم والإنجاز والعمل والإتقان هي سبل التقدم والازدهار لذلك فهم الآن أناس يُضرب بهم المثال في العمل والمثابرة والجودة وحتى في الأخلاق. نعم أقولها مجددًا، الغرب فهموا ديننا أكثر منا، وفهموا مراد الله وحكمته أكثر منا نحن أصحاب الدين الإسلامي، ليس بذكائهم أو بتميزهم، بل الخطأ منا واللوم علينا نحن، المتبجحون والمفتخرون بأننا مسلمون، وبأن الآخرين مصيرهم إلى النار.

لقد غرقنا في الفهم المقلوب للأشياء وفي التواكل غرقًا يكاد يكون كليًا إلا من رحم ربي، وشلَّنا هذا المرض وشل حركيَّة حضارتنا وثقافتنا، هذا التواكل الذي نعلق عليه إخفاقاتنا المتوالية باسم القدر والله، يقول شمس الدين التبريزي: (إن فكرة وجود الشيطان خارج نفوسنا تريحنا وتزيل عنا مسؤولية مساوئنا)، وبنفس المعنى أقول بأن المتواكل إنسان مخدوع وموهوم من قبل نفسه، وأن هذا المنطق المرضي لم يعد مقبولًا على الإطلاق، يكفي أننا ظللنا نخدع أنفسنا لسنوات طوال وندور على الحقيقة بكل الوسائل الممكنة، ولا نريد أن نقبلها، ونزورها ونخفيها لأنها لا تتماشى مع أهوائنا وخفايا نوايانا. إن النهضة الحقيقة أول ما تحتاج إليه هو الصدق مع النفس ومع الحقائق، فكفانا قلبا للمفاهيم وكفانا تزويرًا وتهاونا، وكفانا تهربًا من المسؤولية واستعانة بمنطق وفلسفة مرضيين في الحياة، أعتقد أن هذا هو أول خطوة وأكثرها ضرورة، وإلا فمن يرفض سنة الكون ويكرر نفس الأخطاء، ثم يدعو العمر، بل الدهر كله فليطمئن، وليثق بأن دعواته لن تستجاب، وليستعد للخطوة الموالية في مشوار المغالطات، وهو الاحتجاج على عدم استجابة دعواته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دعاء, دين, فلسفة
عرض التعليقات
تحميل المزيد