تأملات في حياء المرأة و عفتها

الحياء هو فلسفة السّتر المتكاملة ومنظومة غض البصر وخفض الصوت يتبعها حفظ القلب عمَّا يخدش معنى العفة، فالحياء لحظة ارتباك لا منطقية يصرح بها وجه أنثى كلؤلؤة مكنونة في صدفة تأبى اقتحام أحدهم مخبأها.

كيف لا وهي المرأة التي أيقنت أن الله تعالى مطّلع عليها رقيب على فعلها، لا تغيب عنه غائبة: «وهو معكم أينما كنتم» (الحديد4) فاستحت من اللّه تعالى أن يراها حيث نهى، وأطاعت ما أمر به وتجنبت ما نهى عنه وبادرت للتوبة عن كل تقصير وزلل.

هي امرأة صانت نفسها، وحفظت كرامتها وتسربلت برداء العفة والحياء فلا تعرف إلا بالفضيلة، ولا يشار إليها إلا بخير تنأى بنفسها عن موارد الريبة ومظان الفتنة.

هي امرأة لها نفس كريمة شريفة رفيعة أبيّة، تستحي من نفسها كأن لها نفسين تستحي بإحداهما أن تطلع من الأخرى على ما يعيب، فهي مصانة في سرّها قبل علنها وانفرادها قبل تجمّعها، مرددة قول النّبي صلى الله عليه و سلّم: «الحياء كلّه خير».

هي نسخة ملائكية تزينها السكينة ويجلّلها الوقار، فإذا مزحت مزحت بأدب، وإذا جدت كان لجدها قوة النور في تبديد الظلمات، جوهرها يطبع على مظهرها، تدبرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا».

نعم، تدبرته فخشيت أن تكون ممن لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها فسترت جسمها وحجبت مفاتنها وخجلت حتى من ظلها.

اقتدت بمن قال فيها تعالى: «وجاءته إحداهما تمشي على استحياء» فمشت على الحياء طريقًا معبدًا بالهدى، مجبولة بالعفاف، مستهامة بالطهارة، قابضة فيه على جمر من فؤادها.

هي التي جعلت من الحياء سياجًا يصون كرامتها ويحفظ لها أفعالها بعيدًا عن الفحش، وأقوالها بعيدًا عن البذاءة، فارتفعت عن السفاسف حافظة نفسها وعرضها، تعيش أينما حلّت معززة مكرّمة مصانة الجانب مرفوعة الرأس محفوظة المكانة.

تحتمي من ألسنة السّفهاء و أعين السّوقة وقلوب الذئاب.

كيف لا؟ وهي التي انتهجت منهج أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – التي قالت: «كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله وأبي، واضعة ثوبي، وأقول إنّما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر رضي الله عنه، فواللّه ما دخلته إلا مشدودةً عليَّ ثيابي حياءً من عمر رضي الله عنه».

وهي أيضا متيقنة كل اليقين بأن هذا السياج سياج الحياء، إن تم خرقه فإن المقاييس كلها يصيبها الخلل فيصدر عنها ما لا يتناسب مع تفرّدها وتميّزها والتكريم الذي كرّمه الله تعالى بها، فيصبح ذلك النقص سببا في تعرّضها للإهانة وإن لم تعترف، فأعرضت عن ذلك حفظا لكرامتها وشرف أهلها فـ«المرء إذا اشتد حياؤه صان عرضه ودفن مساوئه ونشر محاسنه».

والفتاة الحيية تعلم أن حياءها لا ينافي قوّتها والمحافظة على حقوقها وواجباتها ولا يلزمها ذلك أن تكون منكسرة، فالحياء صفة كمال، والضعف صفة نقص فلا يجر التزام الكمال إلى النقص، بل المرأة مطالبة أن تكون قوية في دفاعها عن الحق مهما كلّفها ذلك، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب في الناس فقال: «لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي الغصة – يعني يزيد بن الحصين الحارثي – فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال».

فقالت امرأة من صفة النساء طويلة في أنفها فطس: ما ذاك لك؟ قال: ولم؟ قالت: لأن اللّه قال: (و آتيتم إحداهن قنطارا) فقال عمر: «امرأة أصابت ورجل أخطأ».

فهذه لم يمنعها الحياء أن تدافع عن حق النساء، ولم يمنع عمر أن يعتذر عن الخطأ.

كما أنه لا ينبغي أن يمنع الحياء النساء من السؤال والتفقه في الدين، قالت عائشة رضي الله عنها: (نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين).

قال ابن حجر في الفتح: «ومرادهم أنّ اللّه لا يأمر بالحياء في الحق ولا يبيحه، وليس المراد بالحياء الحقيقي، لأن الحياء خير كله، ولا يأتي إلا بخير والإمساك عن السؤال في هذه الحال ليس بخير بل هو شر، فكيف يكون حياء؟»

وقد يمنع الحياء المرأة من حسن التبعل لزوجها، وهذا أمر مذموم وليس بممدوح فإن المرأة العاقلة هي التي تلبس لكل حالة لبوسها، وتقوم في كل مقام بما يصلح له وكما نعلم حسن التبعل عبادة.

ومما لا ينافي حياء المرأة أيضًا أن تخطب لنفسها من الرجال من تراه صالحا لها بواسطة أو بدون، كما صنعت خديجة رضي الله عنها حيث كان واسطتها غلامها ميسرة.

كما أن المرأة المراعية للضوابط الشرعية لا يمنعها حياءها أن تبيع في الأسواق بلا حرج.

وهذا ما يبين لنا أن الحياء عكس الفهم الخاطئ لا يمنع من الانخراط في الحياة والقيام بشؤونها وشجونها، بل هو يُجمّلها ويضمن أن تسير دون زيغ أو تيه، لكن في حدود ما شرّعه اللّه عز و جل، فالواقع يمتلئ بأمثلة ممَّن تعرضن للمضايقات بسبب شعور الطرف المؤذي بفقدان المرأة لجزء من حياءها،فهو يرى لنفسه نصيبًا فيمن تختلط وتتحدث مع الرجال ومن حقه أن يؤذيها لأنها عرضت نفسها واستسهلت التوطد معها في علاقات ونزوات عابرة فمن لم يكرم نفسه لم يكرمِ.

والسقوط في جريمة التنازل عن الحياء يبدأ تدريجيا بما لا تشعر به المرأة فإذا فتحت بابه يصعب عليها إغلاقه إلا أن يحفظها اللّه ويعينها ثم تكون صاحبة قرار ونفس أبية.

تدخل بعضهن ميدان التنازل بحجج تظنها مقنعة وهي واهية ومن ذلك الحاجة أو التعرف أو شغل الوقت أو ركوب موجة مع البيئة المحيطة أو التدليل على التحضر أو إثبات الثقة بالنفس وكثير منها حقيقتها الهوى، وتبدأ بخطوة على حذر وحيطة وما هي إلاّ خطوات وربما كلمات وإذا بها تستهين بالأمر وتستلذ بالحال وتتوسع في التنازل حتى ما يبقى من حيائها وما يعينها على العودة، لذا يصبح الحياء واللمز بالانطواء وسام شرف في زمن انقلبت فيه المفاهيم وانعكست التصورات.

ورغم أن الحياء هو خلق طبعي فطري، إلا أنه كأي فطرة سليمة أخرى لا بدّ من تنميته وتقويته بالتربية الإيمانية التي توجّهه نحو طاعة اللّه وخشيته، ونحن مطالبون اليوم بذلك أكثر من أي وقت مضى، لأنّ هناك من يسعى لاستئصال هذا الخلق من النّفوس، ولتشويه تلك الفطرة السليمة من داخل مجتمعاتنا وخارجها، وهم يُعلنون هذا على الملأ بإصرار، ويفعلونه بوقاحة؛ مما أدى إلى انتشار ظواهر أدناها خلع الحجاب، بعد خلع الحياء، وأسوؤها الفجور.

وبتدبر ذلك ندرك الارتباط الوثيق بين الحياء والوازع الاجتماعي، وهو ما نبّهنا إليه الحبيب بهذا الحديث الصحيح والحمد لله، عن سعيد بن يزيد الأزدي رضي الله عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم قال: (أوصيك أن تستحي من الله تعالى كما تستحي من الرجل الصالح من قومك).

فهذا الحديث يبين التلازم الشديد بين الحياء و بين غالبية الناس في فعالية الوازع الاجتماعي، فلو غاب المثل الحي والقدوة الصالحة للتقليد بالنسبة لجميع الأخلاقيات ومن بينها الحياء وما يترتب عليه من ترك قبائح وآداء حقوق، وستر عورات، وامتناع عن الفواحش،خلت الساحة لوسائل مفسدة تزيل ما تبقى من قيم، وهيمنت أدوات الفسق، فسيطرت تلك الظاهرة على مستوى الأخطاء اليومية الاجتماعية و تحول الفسق من ظاهرة استثنائية إلى فتنة أخلاقية تجرّ الأمة إلى مستنقعات الفحشاء والمنكر والبغي، لا سيما في حالة تفكك المجتمع ونزاعاته.

واليوم تلح من جديد أهمية استعادة القدوة الصالحة لوجودها ودورها الفعال، فعندما تضعف تلك القدوة في هذه التركيبة الاجتماعية وتغيب يضعف لغيابها الحياء الذي (لا يأتي إلا بالخير)، حسب الحديث المتفق عليه لأن خيرية الأمة تصبح موضع شك، وهذه سنة الله في كونه، فما فشت الفاحشة في قوم إلا أذلهم الله، وكتب عليهم الهزيمة والفناء قال عز جلاله: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).

تجملي بالحياء يا أنثى فو اللّه إنّها فانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد