تختلف الفعاليات التي تقام بالمدن وتتنوع حسب تنوع المواسم التي تقترن بتلك الفعاليات، فنجد على سبيل المثال أن الفعاليات الفنية ترتبط بمواسم الأعياد والاحتفالات والمهرجانات الوطنية. كذلك فعاليات الثقافة والأدب عادة تقترن بمعارض الكتاب وهكذا.

أعتقد أن هذا أحد أسباب التأخر الحضاري الذي ساهم بتأخير بناء المجتمع ثقافيًا.

إن أكبر خطأ ترتكبه المدن العربية؛ هو ربط الفعاليات بالمواسم. فيما يفترض أن تكون هذه الفعاليات عبارة عن نشاط اجتماعي دائم، شيء موجود ومتاح لمن يرغب بالتوجه له واكتشاف ماهيته وتجربته، مثل أندية اللياقة والرياضة والمقاهي، حين بدأت بالانتشار بالمجتمع لم يكن يرتادها سوى عدد قليل من الأشخاص، وشيئًا فشيئًا تحولت تلك الأماكن إلى عادة اجتماعية طبيعية، وتحول مفهوم ارتياد النوادي الصحية إلى دلالة على الوعي الصحي في المجتمع الذي يدرك أهمية الرياضة.

الآن وبعد أن استعرضنا المأزق، يجب أن نتساءل عن الطريقة التي يمكننا بها  تطبيق هذه الفكرة البراغماتية من حيث المظهر، لتحقيق فائدة عظيمة على مستوى الجوهر؟

علينا أن نجتهد بالتفكير لفعل ذلك، ولو على سبيل النكاية بالخبيث ميكافيللي بتطويع نظريته الشريرة لتنتصر الأخلاق على النفعية.

لنتخيل أننا الآن بورشة عصف ذهني نفكر، وورش العصف الذهني تشتعل بالأسئلة، كل سؤال يعني مفتاحًا جديدًا وبابًا مغلقًا سيتم فتحه، وحيث إنني صاحبة الفكرة، فسأبدأ بالسؤال الأول:

هل هناك نسبة كافية عدديًا من أفراد المجتمع تريد وتحتاج فعلًا فعاليات دائمة ومستمرة على طول العام؟

انتبهوا من السؤال الأول!

عادة السؤال الأول أن يكون مضللًا، يضعك بين خيارات محدودة يوجهك نحوها. مثل هذا السؤال، سيجعل الأغلبية تفكر باحتساب النسبة. هل هي كافية أم لا.

وغالبًا سينحرف النقاش قليلًا حول نوعية هذه الفعاليات، ومواءمتها للدين والأعراف وأفكار المجتمع، وربما سيتحول لجدل، ولا يوجد أي ضمانة أن لا تتدخل قضية السنة والشيعة في الجدل لتجد نفسك مرة أخرى أمام فخ تاريخي سيحول ورشة العمل اللطيفة تلك إلى برنامج الاتجاه المعاكس.

وحيث إنني لا أمتلك نفس فيصل القاسم في تحمّل الانعطافات غير المبررة بأي نقاش؛ فلن أقبل بذلك!

سأعود بكم للسؤال الأول مرة أخرى، كلمة كافية كانت هي الفخ والمفتاح، كافية يعني أنك ستقرر حقوق المجتمع الثقافية بناء على العددية، وهذه الطريقة مناسبة للاقتصاد، للقرارات التي تتماس مع المادة، أما الأمور التي تتماس مع المعنى فلا يصح احتسابها كميًا، يكفي أن يحتاج فرد واحد فقط لقيمة معنوية أو فنية ليتم الاهتمام بها، هذا حق مشروع لأي فرد في أي مجتمع، ويعتبر من أدق احتياجات الإنسان، وليس من المقبول مطلقًا أن يُصادر منه هذا الحق إلا بحكم قطعي من الله ورسوله بأن ما يرغب فيه هو أمر محرم شرعًا، وبقدر إيمان هذا الشخص والقليلين مثله، سيلتفت العالم لتلك القيمة الأدبية أو المعنوية أو الفنية التي يهتم هو بها، المسألة مسألة إيمان.

لنعد الآن لتصحيح وجهة السؤال وطريقته:

هل توجد جهات كافية عدديًا من مؤسسات المجتمع تستطيع فعلًا تقديم فعاليات ثقافية أدبية فنية دائمة ومستمرة طوال العام للمجتمع؟

نعم، إنها الجامعات!

أعيدوا للجامعات ريادتها، دعوا الجامعات تتولَّ هذا الأمر بدلًا من المؤسسات المصابة بحمى التلّجن، في الجامعات يتواجد الطرفان الكفيلان بصناعة أي حضارة وحمايتها، يوجد الشباب والاندفاع والحماس ممثلًا بالطلاب والطالبات، والخبرة الواسعة والحكمة والدقة في التخصص لدى طاقم التدريس.

على الجامعات أن تتولى هذه المهمة، أن تنتشل المجتمع من عتمة الجهل، في الجامعات يمكنكم عقد محاضرات ودورات وورش عمل مجانية تستهدف المجتمع، لديكم أساتذة متخصصون في كل جانب، في التاريخ في الفنون في الاقتصاد واللغة والشعر والعلوم الصحية وعلم الاجتماع.

لو أن أساتذة الجامعة تكفلوا بتثقيف المجتمع اقتصاديًا لما تمكن الأوغاد من سرقة البسطاء ونهب أموالهم، لو أن أساتذة علم الاجتماع عقدوا محاضرات تثقيف تستقطب الأسرة لما وصل العنف الأسري للحد المفزع الذي نقرأ عنه اليوم، لو أن أساتذة اللغة والأدب اهتموا بعقد محاضرات ودورات للمجتمع لما وجدتم أبناءنا يتباهون بالتحدث فيما بينهم بالإنجليزية!

ليست مهمة الجامعات أن تقدم دروسًا وتشرف على أبحاث وتمنح الدرجات العلمية فقط، فهي بهذا الشكل عبارة عن مدارس أكبر حجمًا وأكثر عددًا بالطلاب لا أكثر!

دور الجامعات الحقيقي أكبر بكثير من ذلك، ولو تأملتم بتاريخ أي أمة صعدت السلم بعد سقوط مروّع، فستجدون أن العلم والأساتذة والمربين والمدارس والجامعات هم من قاموا بذلك.

لا أختلف مع الفعاليات الموسمية ولا أعترض على وجودها، وأظنه شيئًا جميلًا أن يكون بأي مجتمع فعاليات تقترن بالمواسم، لأن ذلك يمنحها نكهة العيد وبهجته. لذلك علينا أن ننتبه لهذا الأمر، ألّا تكون الثقافة بمجتمعاتنا زائرًا سنويًا مثل العيد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد