منذ اللحظة الأولى التي تبصرين فيها الحياة، يبدأ إعدادك لكي تكوني زوجة، ظلًا للرجل، يملأون عقلك بهذه التراهات، يلقنونك دورك؛ كي تحفظيه على أكمل وجه، فيصبح هدفك الأول والأخير بناء حياة سعيدة لزوجك، دون أن تتوقفي للحظة وتتساءلين: لماذا لا أبني حياة سعيدة لنفسي؟ أو لماذا لا يبني زوجي حياة سعيدة لي؟

الحقيقة أنني مؤمن بوجوب وجود حياة سعيدة ترضي الطرفين «الزوج والزوجة»، بمعنى أن لكل طرف الحق أن يبني حياة سعيدة مستقلة، دون الاعتماد على الطرف الآخر، فبناء حياة سعيدة لا علاقة له بوجود شريك للحياة، ربما يأتي يومًا ما، وربما لا يأتي، وفي كلتا الحالتين يجب أن نعمل على أن تكون حياتنا بمفردنا سعيدة وأسعد بمشاركة الطرف الثاني.

بالتأكيد أن دخول طرف ثاني يتسبب في بعض المشاكل، نظرًا لاستحالة وجود تطابق بين شخصين في الأفكار والسلوك والعادات والأحلام… إلخ، لكن لكل شيء ضريبة، لذلك يجب أن يتنازل كلا الطرفين عن بعض من مميزاته من أجل هدف أكبر وحياة أكثر اكتمالًا، أما فكرة أن تكون المرأة هي الطرف الوحيد المطالب بتقديم هذه التنازلات من خلال التضحية بحياتها ورغباتها، وأسلوب حياتها فهو مبدأ، لا تضحية فيه، ولا يمكنني وصفه سوى بالانتهازية، فالشراكة الناجحة بين الرجل والمرأة يجب أن تحافظ على حقوقهم سواسية، مع الحفاظ على جزء من الاستقلالية لكليهما، فكما أن للرجل الحق في العمل والنجاح والسفر والاستمتاع برفقة أصدقائه بعيدًا عن زوجته، فللمرأة نفس الحق في العمل والنجاح والسفر والاستمتاع برفقة صديقاتها بعيدًا عن زوجها، إضافة إلى الحق في ممارسة الهوايات وأسلوب الحياة الذي يحبه كل طرف.

دعونا نعود بضع خطوات للوراء، إلى مرحلة «الصحوبية» أو الخطوبة، والتي يبدأ الرجل الشرقي فيها بفرض أسلوب حياته على شريكته من خلال بعض التفاصيل الصغيرة، فمثلًا يشعر الرجل بإنجاز غير مسبوق عند إجبار شريكته على عدم النزول لملاقاة صديقاتها، أو منعها من ارتداء ملابس معينة، أو إجبارها على إخباره بتحركاتها، وكأنها طفلة غير ناضجة… إلخ، صراحة، لا تعجب من هذه الشروط والقيود التي تمارس ضد المرأة، ولا أعتقد أن الأمر مرتبط بالحجة الساذجة التي تسمى «أنا خايف عليكي»؛ فلو كان الأمر مرتبطًا بالخوف على الطرف الآخر، فلماذا لا تمنحها نفس الحق بمعرفة تحركاتك؟ ومنعك من النزول في حالة شعورها بالخوف عليك؟ نعم فهي تخاف عليك كما تخاف عليها، اعلمي عزيزتي أنه إذا رفض الالتزام بنفس الشروط، فإن الأمر غير مرتبط بالخوف، وإنما هو مبرر لفرض سيطرته عليك، والتفاخر بقدرته على التحكم بك كطفلة صغيرة، توقفي عن التبرير له، واطلبي منه نفس المطالب من باب الحرص عليه، غالبا ستفاجئين برد فعل غاضب، وبعبارات ذكورية، مثل «أنا راجل وانتي ست»، إذن فالأمر لا علاقة له بالخوف، أما الكارثة الأكبر، فإن هناك بعض النساء يضعن هذه التحكمات كمقياس لرجولة الرجل، ومدى صلاحيته؛ كي يكون زوجًا لها!

وفي حالة فشل الرجل في فرض سيطرته على المرأة ففي الأغلب سيتركها بحجة «أنها مش عايزة تعيش»، أما لو نجح فستنتقل المرأة إلى مرحلة الزواج، وهنا سيكون العدو الأول للمرأة امرأة أخرى، وهي حماتها التي عانت كامرأة في يوم من الأيام من امرأة أخرى، إنها معادلة صفرية خلاصتها: أن المرأة التي شعرت بالقهر لن تتعاطف بالتأكيد مع زوجة ابنها، فلماذا يسلب ابنها «الذكر» من الحقوق التي سلبت هي منها في يوم من الأيام؟ هل على رأس زوجة ابنها ريشة؟ إذن فلتعان كما عانينا نحن. هذا باختصار ما يدور في العقل الباطن لجميع الحموات دون أن يشعرن.

لا تتعجبي أيضًا، إذا ما وجدت من ضمن شروط الزواج مطالبات تتعلق بتوقفك عن الدراسة، فالرجل الشرقي لا يحب أن تتفوق المرأة عليه فكريًا أو علميًا، لا تتعجبي أيضًا إن طالبتك حماتك بصورة غير مباشرة بأن تتصنعي الغباء، وتقنعي زوجك بأنه «الفلتة العبقري»؛ كي يشعر بنشوة ذكوريته، معظم النساء يفعلن ذلك لكسب رضا أزواجهن، لا تشعري الرجل بأي تفوق عليه، سواء مادي أو معنوي أو حتى في لعبة «كوتشينة» أو شطرنج، كوني زوجة غبية؛ كي يكون زوجًا سعيدًا. العبي دور «الكومبارس» أو «السنيدة» في فيلم عربي تقليدي؛ فهذا ما يرضي الرجل الشرقي.

دعونا ننتقل الآن إلى مشهد الزواج، يمكنني القول باقتناع تام أن مبدأ الزواج في عالمنا العربي يتلخص في «بيعة وشروة» بكل ما تعنيه الكلمة، والثمن «الشبكة والمهر».  نظير ماذا؟ طاعة عمياء، وموافقة على وثيقة تسلب المرأة من استقلاليتها، بالطبع يجب أن يكون عقد الزواج موثقًا، ولكن شروطه يجب أن تتم بناء على عنصر التكافؤ، فالقوانين الأسرية في عالمنا العربي هزلية وعنصرية ضد المرأة، مثلًا: بأي حق تقوم المرأة بالتوقيع على وثيقة تمنح زوجها الحق في منعها من السفر، دون موافقته، سنجد شخصًا فذا يرد بكل غضب: وهل من الطبيعي أن أنهض من النوم، فأجد زوجتي في كندا؟ سنرد عليه ببساطة: وهل من الطبيعي أن أنهض من النوم فأجد زوجي في استراليا؟

شخصيًا، أرفض مبدأ المهر والشبكة بصورة مطلقة؛ لأنها كما ذكرت ثمن يتم من خلاله شراء المرأة، ومن يتحجج بأن هذه الشبكة هدية فلماذا إذن تعاد الهدية «الشبكة» إلى صاحبها في حالة عدم إتمام الصفقة «الزواج»؟ نعم، من حق الرجل أن يمنح زوجته هدية بمناسبة الزواج، كما يحدث في كل دول العالم ويكون في الأغلب خاتم من «الزركون» أو «السوليتير» غير باهظ الثمن مقارنة بحالتهم المادية، في البداية والنهاية هي هدية يقوم بشرائها الرجل وفق حالته المادية تقبلها المرأة بكل فرح كهدية دون التدخل في تحديد قيمتها، فلم نر في فيلم أجنبي مثلًا فتاة ترفض حبيبها؛ لأن وزن الخاتم خفيف الثمن بعكس ما يحدث في عالمنا العربي، فلا أجد تفسيرًا لاشتراط ثمن معين للشبكة والمهر إلا أن الأمر لا يخرج عن إطار البيع والشراء.

للأسف إن معظم العلاقات الزوجية التي بنيت على أساس الأعراف والتقاليد والدين، تنتمي إلى زمن مختلف تمامًا عن واقعنا، فقديمًا كان الرجل يقوم بالعمل في الخارج، بينما تكتفي المرأة بالعمل في المنزل لأسباب عديدة، مثل القدرة الجسمانية والمخاطر في الخارج التي يعتبر الرجل اقدر على مواجهتها مقارنة بالمرأة، أما وقد تغير الزمن وأصبحنا في دولة مدنية حديثة، وأصبح العمل غير مرتبط بالقوة البدنية، أصبحت المرأة شريكًا في العمل مثلها مثل الرجل.

يمكننا القول إن معظم الرجال في عالمنا العربي ينقسمون إلى قسمين:

  • نوع يرفض عمل المرأة فهو يستمتع بإضعاف زوجته سواء ماديًا أو نفسيًا، فهو لا يحب المرأة المستقلة التي يمكن أن تتخلى عنه في أي لحظة، ويشعر بالأمان مع المرأة الضعيفة التي لا تجد الفرصة للمقارنة، حتى لو عاشت معه رغمًا عنها، والحجة المعتادة طبعا هي الخوف عليها أو نظرية «البونبناية» الجميلة.
  • إما النوع الثاني فهو رجل يسمح لزوجته بالعمل «غالبًا لعدم قدرته على تحمل المصاريف وحيدًا» فتقوم هي بذلك وتقاسمه مصاريف المنزل والأولاد «وهو أمر عادل لا عيب فيه»، ولكنه يستغل ذلك فيجبرها على القيام بواجبات المنزل وحدها، فتصبح المرأة مجبرة على العمل ضعف زوجها، فتعود منهكة من العمل؛ لتبدأ رحلة عمل جديدة في المنزل، بينما يكتفي هو بالجلوس على الكنبة، ومشاهدة التلفاز، وإلقاء الأوامر، وطلب الشاي والأكل، بلا أدنى رحمة أو نخوة، فلو كان يمتلك ذرة من الرجولة؛ لعاونها وتحمل بعضًا من أعباء الحياة عنها، وبالطبع ستجد الحجة الجاهزة «هو أنا قلتلها تشتغل.. تقعد في البيت لو مش عاجبها» متناسيًا الأعباء المادية التي تتحملها من أجل رفع مستوى المعيشة، وحتى لو كان قادرا على تحملها وحده، لماذا يجب عليها هي الجلوس في البيت؟ لماذا لا تقوم أنت بالجلوس وتنظيف البيت، بينما تقوم هي بالعمل في الخارج.

المؤسف أنه بعد سنوات طوال من استنزاف الرجل لزوجته بدنيًا ونفسيًا بين العمل في المنزل وخارجه، يبدأ بمقارنتها بمثيلاتها الأصغر منها والأكثر جمالًا واهتماما بأنفسهن، دون أن يسأل نفسه عما قام بتوفيره لها من مال ووقت، وراحة بال، لكي تهتم زوجته بنفسها؟ وفي حالات كثيرة يقوم الرجل بمكافأة شريكة حياته على ما منحته له بزوجة أخرى يهين من خلالها كرامتها، أما في حالة عجزه عن فعل ذلك لأسباب مالية فسيكتفي مجبرًا بمقارنتها بجميلات بطولة أوروبا وندب حظه ليل نهار، دون أن ينظر لنفسه في المرآة.

إن الحجة الساذجة القائلة إن الرجل من حقه الزواج بأربعة وفق الشرع، هي حجة غير منطقية، فلو فعل ذلك لأنه أحب امرأة أخرى أو رغب في أمراة أخرى، فلماذا لا يعطيها نفس الحق لو أحبت هي شخصًا آخر؟ أو رغبت في شخص آخر؟ هل ستسمح لها بالزواج منه؟ ولو كانت القوانين والدين يسمحان لها، هل ستقبل أن يكون هناك زوج آخر يتقاسم زوجتك معك؟ لا تدعي بأنك رجل وهي امرأة؛ إن مشاعر الغيرة والحب متشابهة بين الطرفين. فلا داعي لخلق المبررات.

دعونا ننتقل إلى نقطة أخرى.. ماذا لو رفضت المرأة الاستمرار وقررت الطلاق؟

ستصبح مطلقة وستصبح فرصتها في الحصول على زوج جديد شبه مستحيلة، لن تحصل سوى على مؤخر لن يساوي شيئًا بعد مرور 20 عاما على الزواج فالعملة تفقد قيمتها، ستحصل على مجموعة من الأثاث المتهالك «الفايمة» ومبلغ رمزي كنفقة ستحصل عليها بعد سنوات من «البهدلة» في أروقة المحاكم، هل هذا هو المقابل العادل لامرأة شاركت زوجها في بناء ثروته على مدار عشرين عاما؟ حتى ولو كانت مكتفية بالعمل في المنزل، فإنها تحملت نصف المسئولية، أنا شخصيا أرى أن القانون الغربي بمنح المرأة نصف ثروة الرجل بعد الطلاق أمر في غاية العدل، وهو أمر يجب أن يطبق هنا خاصة في الحالات التي استمر فيها الزواج لسنوات طويلة تزيد عن العشر سنوات، فمن أفنت عمرها بجوار زوجها من حقها أن تحافظ على ما قامت ببنائه معه إذا ما أراد الطلاق منها، إنها مثل شركة مساهمة شارك فيها الطرفان سواسية وقاما ببنائها، وعند الانفصال يجب أن يتقاسمها الطرفان مناصفة، ويمكنه من باب الإنصاف إن يحسم ما كان يملكه قبل الزواج، وأن يتقاسما كل ما قام بادخاره بعد الزواج.

لكن هل ينتهي دور الضحية عند هذا الحد؟ بالطبع لا؛ فالمرأة المقهورة ستبحث عن الشخص الوحيد في هذا المجتمع الذي تستطيع أن ترد له الصاع صاعين، وهي امرأة أخرى.

اقرأ أيضًا:

افتخري! فأنت أنثى. «الله»

تمردي.. فأنت أنثى «الأسرة»

قاومي.. فأنت أنثى «المجتمع»

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد