سألتني صديقتي هذا الصباح سؤالًا روتينيًا يسأل عديدًا، ولا أحبذ الإجابة عنه قط، ولكني وجدت نفسي أجيبها دون تفكير لتبدأ بعدها رحلة من البحث حول ما قصدت بالتحديد. سألتني عن أكثر شيء يميزها، فأجبتها أنك قوية. لم تتنازلي عن كونك أنت بالرغم من الألم الذي مررت به، لا يستطيع كثيرون أن يفعلوا ذلك. أنا لم أستطع يا رفيقة.

بطريقة ما بعد ساعات وجدت كتبًا يحكي عن الحرية وحيل الإنسان في التخلص من ألمه وعجزه عن طريق فقده لذاته والتضحية بحريته واستقلاليته، هذا ما قصدت بالتحديد، في إحدة اللحظات التي يتوقف فيها المرء من اللهث خلف أشياء عدة قد يكتشف أنه ليس هو ذاته، وأنه ليس حرًا مستقلًا متفردًا كما يدعي.

إنه يسير وفق خطط أعدت له سلفًا، إنه يأمل من نفسه ما يتوقعه الآخرون بمقاييسهم عن النجاح، ربما أنا لا أعرف نفسي إلا عن طريق لمعة أعين بعض المعلمين لي في سنوات دراستي في الإعدادية والثانوية، ربما حين كنت أستنتج أو أحلل بعض المعلومات بسلالة ونبوءاتهم التي لم يتحقق منها أي شيء.

ربما أقصى صورة لنا عن ذواتنا ليست من صنعنا، ولا تشبهنا أصلًا، ربما تلك الصورة أضعناه أو فقدناها منذ زمن، وتغيرنا وأصبحنا أشخاصًا آخرين، ومازلنا نصدق تلك الصورة الساذجة جدًا التي رسمها لنا الآخرون، ربما قالت أم لطفلها إنه قبيح؛ فصدق هذا، وظل يعرف نفسه كذلك إلى مماته، وظل أسيرًا لصورة رسمها له من فوقه ذات يوم. ليس مهما ما قاله الآخرون عنا كان جميلًا أم قبيحًا، المهم هل كان صادقًا أم وهمًا أم إسقاطًا أو تزييفًا، هل هو ما كنا عليه ومازال أم ما كان ولم يبق منه أثر.

أن يكون الإنسان حرًا لا يعني فقط أن يتخلص من العبودية، ولا من السلطات القهرية التي تجبره علي تكميم فمه، وكتمان حقه في التعبير وحسب، ولا تنحصر في حرية الصراخ والهتاف في الشوارع، ولا في حرية إقامة الطقوس الشعائرية لمعتقده. الحرية كما أفهمها من القرآن، ذكرت بلفظ الأمانة، كأنما هي كنز عليك الحفاظ عليه حتى لا تضيعها.

عرضها الله علي السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا، اختلف العلماء في أن الإنسان اختار حملها وعرضت عليه كالمخلوقات الأخرى ام كان حملًا إلزاميًا، ولكنهم لم يختلفوا أن تلك هي أمانة التكليف والاختيار.

التي هي الحرية، وذكر الله جهل الإنسان وظلمه لنفسه، فكأنما لا يقوى علي حمل ثقل الأمانة وفهمها إلا بالتعلم والعدل، والإنصاف لذاته ولغيره، ويقصر فيها بجهله وظلمه لنفسه. الإنصاف لنفسك أن تجعلها حرة، أن تحررها من كل قيد.

خلقنا متصلين بحبال سرية في أرحام أمهاتنا أول الأمر، وبمجرد لميلاد قطع هذا الحبل، بالرغم حاجتنا الماسة للأم أول الأمر، ولكن عوضنا الله بقدره فينا على التعلم والاكتساب، يتساءل عمر بن الخطاب متى استعبدتم الناس وقد خلقتهم أمهاتهم أحرارًا؟ يعاد استعبادهم بمجرد إظهار تفردهم وتمايزهم عن كل شيء يحاول استعبادهم وفعل كل شيء كي لا يكونوا هم، يحاول الآباء الذين هم رمز السلطة الأول في أن يسقطوا أحلامهم وأفكارهم ومعتقداتهم، بل حتى خيباتهم وآلامهم وأذيال هزائمهم على أطفالهم، لا تعليمًا، بل إرغاما تلقينيًا.

ثم تمارس المدارس طقوسها بطابور صباحي، تحية علم، زي موحد، منوع الكلام، ممنوع الطعام، ممنوع، ممنوع، آلاف الأوامر في اليوم الواحد كي تقتل تلقائية طفل خلق لتوه، ولا يريد سوى اللعب، ناهيك عن العقاب والإهانه والصراخ، ثم الجامعة والتعلم وفق مناهج معدة سلفًا للجميع باختلاف قدرتهم على التحصيل والتعلم، ووفق معايير تنافسية لا أجواء مشاركة تعاونية شغوف، ثم عمل في ساعات محددة محسوبة بالدقائق لا بالأعمال، وبالكم لا بالكيف، وبالتواجد لا بالحضور، وبالتنافسية لا التعاون أيضًا، في عالم صارم قاس تنافسي يناضل الأفراد ليكونوا هم، وبعد صراع مرير لسنوات من عمرهم، من ينسحبون من الصراع، ليقبلوا أن يكون الآخرون مرآة لهم في ظواهرهم وبواطنهم ويسيروا في خطط أعدت سلفًا لهم، ويصدقون أنهم أرادوا ذلك، يقولون ما هو متوقع أن يقولوه، يحلمون بما يجب أن يحلموا به، يحبون من يجب أن يحبوه، يعملون يدرسون، كقوالب متشابة، نسي العديد منهم أن يفكر عن كنهه.

وفي ظل السباق المسعور يحكم الكون خناقه على حرية الإنسان، ليتحكم في يومه ومأكله ومشربه ويخلق له احتياجاته ويوهمه بها، يحدد له معايير الاختيار والاستحسان وفق ما يخدم مصالح اقتصادية عليا، ويربطه بأجهزة إليكترونية يبحث فيها عن الاستحسان والتواصل مع الآخرين ليزداد انغماسًا في الآخر وينسى نفسه، ليس من قبيل المصادفة أن يصاب الجيل بأزمة وجودية، ويتخبط معظم الشباب في اكتئاب، خصوصًا بعد فشل الثورات، فمن لم يسكن ضجيج نفسه التي نسيها بتصفيق حار بنجاح باهر بمقاييس المجتمع، يصاب بالعجز واليأس والوحدة ويقع في حيال التيه.

لن يجد مكانه على اللوحة، بالرغم من أنه موجود، سيشعر كما أن العالم نسيه، أو وأده حيًا، لا بل ربما لم يره أصلًا، سيشعر كأن كل شيء صحيح عدا وجوده هو، هذا ألم التيه والعجز، ولكن كليكما تائه يا رفيق، ذاك الذي محاط بتصفيق حار، وأنت على فراشك متقدًا، كلاكما عبد لشيء ما أنت لم تنجح أن تكون كما أرادوا وهو فعل، لكن كليكما مازال يستسقي نفسه من الآخر، ربما ينجح قليلون جدًا أن يكونوا صالحين بمقاييس المجتمع، وينبذ الباقون، ويلفظون لأنهم لم يسيروا وفق ما هو مخطط لهم، بالرغم من محاولاتهم.

يجعلنا هذا نتساءل: هل السوي هو سوي بمقاييس مجتمع غير سوي؟ أم غير السوي بمقاييس مجتمع غير سوي يكون سويًا؟ قليلون جدًا سيقفون عند منتصف الطريق ويقتفون أثر ذواتهم ويقررون بحرية أن يكونوا أحرارًا، صادفت هذه الحرية أهواء المجتمع أم خالفت.

إنهم معنيون بحمل الأمانة بكل مشقتها، ولن يخضعوا لشيء يحول بينهم وبين ذلك، سيدفعون ثمنها باهظًا ربما،  لكنهم سيكونون أحرارًا، وتلك لذة العيش، بالرغم من مشقتها ومراد الله منا كما فهمه الصحابة فقالوا: نحن قوم ابتعثنا الله لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحرية, حر, حرية
عرض التعليقات
تحميل المزيد