بعد ليلة فرح عامر عشتها بعد إعلان نتيجة الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة التي جرت في الأول من نوفمبر، والتي اكتسح فيها حزب العدالة والتنمية النتيجة وتمكن من تشكيل الحكومة بمفرده، استقبلني صديقي في صباح اليوم التالي بكلمات التهنئة والتبريكات على هذا الفوز كونه يعلم مدى فرحتي بذلك، ولكنه سرعان ما أخبرني “بس ما تفرح كتير، مش شايفين منهم غير الكلام!” وهو يقصد التعاطف التركي مع القضية الفلسطينية، فكانت هذه الجملة بداية حديث مطول ونقاش طويل في الشأن التركي.

إن بعض المواطنين العرب عند الحديث عن أردوغان مثلًا بصفته أيقونة هذا التطور ينظرون إليه على أنه خليفة المسلمين وأن تركيا هي دولة الخلافة الموعودة!!، ثم يأتي آخر ليقول كيف تكون دولة خلافة وهي على تنسيق كامل مع الاحتلال الإسرائيلي!! ويأتي غيرهم ليتساءل وهل تركيا دولة مسلمة وهي التي ينتشر فيها الفجور والسفور!! ويأتي آخر أيضًا ليقول وماذا استفاد الفلسطينيون من تركيا وتعاطفها، بل وماذا استفاد السوريون من ذلك؟ هل التعاطف فقط الذي نسمعه يستحق أن نفرح لهم كل هذا الفرح عند فوزهم؟ ويتساءل أيضًا: “ما علاقة تركيا بالعالم الإسلامي والعربي إن كانت تسعى إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي!

إن كل ما سبق من مواضيع تتكرر عند أي حديث عن تركيا، وكأننا نحن العرب نتفنن في كيف نعيش بنظرية “لماذا الفرح لغيرنا؟” ونعيش بمنطق “يا أن يكون كله معنا يا لا يتدخل في أمورنا”. إن الحوار الذي دار بيني وبين صديقي أستطيع أن ألخصه في بضع نقاط، وهي النقاط التي أظنها دائمًا محور نقاش:

الخليفة والخلافة!

“الخليفة أردوغان!” و”تركيا الخلافة!” و”أردوغان يريد أن يعيد الخلافة الإسلامية!” كلها عبارات نسمعها ونقرأها على مواقع التواصل الاجتماعي من البعض. إن من يتفوه بهذه العبارات ويظن بأنها صحيحة ويعيدها ويكررها لا أظنه يفعل ذلك إلا حماسة وإعجابًا بتركيا، أو أنه يقصد أن يؤلب العالم عليهم بأنهم يريدون أن ينهضوا ببلادهم لأنهم يسعون إلى الخلافة التي ستنهي هيمنة الغرب كما فعل أجدادهم!

إن السؤال المنطقي هنا: هل الافتخار بالأجداد الأقوياء الأشداء الذين سادوا جزءًا كبيرًا من هذا العالم عيب أو نقيصة؟ فإذا كان الفرد على صعيد نفسه يفتخر بأبيه أو جده أو سابع جده إن كان أحدهم مناضلًا محاربًا قويًّا، ويظل يتغنى بولاء الأجداد في كل محفل ومجلس، فكيف بتركيا وهي التي سادت العالم في يوم من الأيام؟ إن الافتخار بالأجداد، والسير على نهجهم في إعادة المجد والقوة للدولة هو أمر منطقي، فمن ليس له خير في ذكر أسلافه الأبطال لن يكون فيه خير في حاضر حياته، وفي مستقبله.

إن الافتخار بالأجداد لا يعني الوقوف على عتبة إنجازاتهم وكأنه حديث عن الأطلال، ونسيان العمل للحاضر والتخطيط للمستقبل. إن التغني بمجد الأجداد لا يشفع للمعاصرين السكون والهزيمة والضعف، وكأن كل ما يستطيعون فعله هو الحديث عن إنجازات الماضي، أما الحاضر فلا حول لهم به ولا قوة. إن تركيا الحالية وقادتها ضربوا أروع الأمثلة في اعتزازهم بتاريخهم المشرق، وفي سعيهم الدؤوب في حاضرهم، وفي نظرتهم الواعدة لمستقبل بلادهم، دون أن يتفوه أحدهم بإعادة الخلافة، وتنصيب الخليفة!

ثم هل نسينا أن حزب العدالة والتنمية هو في النهاية حزب سياسي في دولة يحكمها قانون ومؤسسات، وأنه حزب يقول عنه بعض الكتّاب المقربين منه أنه “حزب نصف ليبرالي، وإسلامي معتدل، ولكنه ديمقراطي كامل”، فمن أين أتى البعض بقصة الخليفة والخلافة؟

الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو:

(الشّمّاعة) لإنهاء أي حوار، وكأن سعي تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سُبّة وعار سيلاحق كل القادة الأتراك، وأنهم إن أرادوا هؤلاء القادة الاتجاه شرقًا نحو الدول العربية والإسلامية عليهم أن يتطهروا من هذا الرجس المسمى “السعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي” والتخلي عن الانضمام لحلف الناتو؟

هل الانضمام إلى حليف قوي مشكلة عند البعض؟ وهل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بما يلبي مصالح الدولة التركية أمر فيه مشكلة؟ وهل المشاركة في حلف كالناتو مع الدول الكبرى لتستفيد تركيا منه أولًا وأخيرًا أمر سيء؟ ألم تصبح تركيا الآن قادرة على تصنيع بعض سلاحها بمفردها؟ ألم تتجه تركيا شرقًا إلى الصين لشراء الأسلحة؟ صحيح أن تركيا حليف بالناتو، ولكنها أيضًا تسعى إلى الاستفادة من هذا الحلف في تطوير نفسها، وهذا أمر في تفكير الدول مهم وضروري خصوصًا في الدول التي لها رؤية وطموح في الوصول للقوة.

ثم هل نسي من يتحدث في قضية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أن تركيا إلى الآن تفاوض الأوروبيين على ذلك وهم يفاوضونها، وبالتالي أن كانت تركيا تريد الاتحاد الأوروبي دون النظر إلى مصالحها فلماذا كل هذه المفاوضات، ولماذا كل هذا التخوف عند الأوروبيين لانضمامها؟ إن انضمامها لهذا الاتحاد سيشكل قوة للبلاد العربية والإسلامية إن أحسنوا العرب استغلال ذلك، ويا ليتهم يستغلونه!

العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي:

يتساءل الكثيرون: “لماذا نفرح لفوز العدالة والتنمية في تركيا، وهي التي تقيم العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي”! ولماذا لا يطردون السفير الإسرائيلي من بلادهم؟ (مع العلم أن السفير الإسرائيلي ومنذ أحداث سفينة مرمرة هو غير موجود في أنقرة) وقد يتحمس البعض ويقول: “لماذا لا تدخل تركيا الحرب مع هذا الاحتلال طالما أنها تدعي مساعدة الفلسطينيين!”.

إننا بهذه التعبيرات وللأسف الشديد وكأننا نقول لتركيا: “لا تتعاطفي ولا تقدمي يد العون لنا، ولا تساندينا وقت الحرب ولا وقت السلم”. كأننا نريد أن نزيد عداواتنا عداوة جديدة مع دولة تكن لنا كل الاحترام، وشعب يحب الفلسطينيين بالفطرة. كأننا نقول لهم لا تتحدثوا عنّا، ولا تأتوا بسيرة القدس والأقصى على ألسنتكم، ولا تظهروا التعاطف فهو لا ينفعنا، وكأن عدم التعاطف من بعض البلاد الأخرى القريبة والبعيدة هو الذي يفيدنا وينفعنا؟ صحيح أننا نطلب من تركيا أكثر مما تقدمه الآن، ولو كانت تستطيع أن تفعل أكثر لفعلت، ولكن علينا أن لا ننسى أن تركيا دولة لها سياستها ونظرتها للأمور وتوازناتها الإقليمية والعالمية.

الدين والتدين

في كل نقاش، تظهر على السطع عبارات من قبيل “المجتمع التركي لن يرضى بالدين والتدين فهو علماني، وأردوغان علماني متطرف في علمانيته، بل يتعدى البعض ذلك ويقول: “هو لا يستطيع أن يقدم للدين شيئًا، ولو أنه يستطيع لمنع السفور والفجور الموجود في الشوارع!!”.

من يتبنى هذا الرأي يفتقر باعتقادي إلى الكثير من المشاهدات حول المجتمع التركي في الأساس، فهو مجتمع متدين يحب الدين، ولو كان غير ذلك لما رضخ حزب الشعب الجمهوري الحاكم في أربعينيات القرن الماضي إلى التعددية الحزبية، وسمح ببناء المساجد وعدد من مدارس الأئمة والخطباء بعد أن كان قد أغلقها. إن تصرف الحزب جاء نتيجة اقتناعه التام بأنه لن يستطيع اقتلاع الدين من النفوس، وأنه إن نجح بالظاهر في ترك المجتمع لتعاليم الدين، فإنه لن يستطيع نزع التدين والفكر الديني من هذا المجتمع، فتصرف بناء على ذلك. وعند مجيء أردوغان وصحبه إلى الحكم، كان المجتمع قد مورس عليه بعض القيم كفصل الدين عن السياسة، وفصله عن الحياة العامة، وحرية السفور والفجور.

 

وبالتالي انتهج هو ورفاقه سياسة التدرج في التقويم، مضافًا إليها سياسة إحلال النموذج الحي أمام المجتمع وهو أن الدين لا يتعارض مع تقدم المجتمع والدولة، قولًا وفعلًا وليس قولًا وتنظيرًا فقط. لقد عمل واجتهد هو ورفاقه فاستطاع أن يقر السماح بالحجاب في المدارس والجامعات، والتقليل من الحانات والسُكر خصوصًا في المناطق حول المدارس، وزاد من بناء المساجد، ومدارس الأئمة والخطباء، وعزز قيم الدين كالتسامح وحب الآخر وتقبله وهو ما نراه في استضافة المجتمع التركي للأشقاء السوريين قبل استضافة الدولة لهم. وبما أنهم يسعون للتغيير الإيجابي تدريجًا، فواجب على المتابعين أن يشدوا على أيديهم لا أن يتهموهم بالتقصير.

 

“أنت تعرف كل هذا عن تركيا لأنك محب لها ومطلع على الكتب والمقالات التي تكتب عنها، لكن ما تقوله لا يعرفه أغلب الناس، وهم يرددون ما يسمعون من غيرهم”. هكذا أنهى صديقي النقاش، وهنا فقط عرفت كم المشكلة التي نعاني منها من قلة القراءة والاطلاع، والذي ينعكس سلبًا على آرائنا ووجهات نظرنا. لذلك، ومن أجل أن تتبنى رأيًّا أو تتخذ لنفسك نموذجًا، اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ، ولا تنسَ بعد قراءة هذا المقال أن تفرح معنا بفوز العدالة والتنمية في تركيا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد