هذا اللقاء لن يكون على هوى كثيرات من ضيفات الصفحة تحديدًا، وكذا بعض الصحبة، لكن ما باليد حيلة، فقد وجب علينا أن نلفت النظر لجملة قصيرة شاع استخدامها حاليًا وبكثرة مثل مصطلح «كذبة بيضاء»، الذي شاع فترة ثم مات بالسكتة الفكرية ـ

 «خليك في حالك»، للحق جملة مركبه جدًا، لكن اسمحوا لي أن أجول بكم مع وقع هذه الجملة في نفسي ومذاقها الفكري مجازا من عدة زوايا لن يضركم شيء لو أنكم قلبتم أبصاركم فيما أقول وحاولتم أن تتلمسوا منطق قولي.

أولًا: فلتكن البداية من كتاب الله، ماذا من كتاب الله؟ ما دخل القرآن في كلام العامة؟ له دخل كبير جدا، لأنه الميزان الذي ليس فيه اعوجاج ولا هوى، أليس هذا صحيحًا؟ قال الله تعالى «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر…» صدق الله العظيم. ومن أصدق من الله قيلا، أسمع أصوات منكم تعلق برفض عرض الفعل المجتمعي على القرآن، قلت: إنني أعرض لزاوية يتشاغل عنها الكثيرون ولكم أن ترفضوها لكن بعد أن تسمعوها.

فلربما سوء استخدام الآية من جانب البعض في صك بعض الأفكار سبب لدى البعض كراهية للمنطق «لنكن صرحاء». فلتكمل من موضع آخر وزاوية شارحه للآية من سنة رسول الله صلى الله علية وسلم، حين قال لأصحابه: «ما أهلك الذين من قبلهم إلا إنهم لم يكونوا يتناهون عن منكر فعلوه قط»، وهذا ما يسمى «بالأمن الاجتماعي».

ولربما كان حجة البعض في رفض هذا المنطق تلك المقولة الغريبة العجيبة التي يقذف بها كل داع للفضيلة وهي: «من خولك أن تحاسب الناس وتتدخل في شئونهم هل وكلك الله وفوضك لتحاسب الناس؟». ومن هذا القبيل أسمع الكثير، لا غرض له إلا فض عُرى هذا الدين المتماسك فرديًا واجتماعيًا.

ودعونا نقف مع الآية السابقة وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم من باب الأخلاق أو من باب علم الاجتماع. هل أذنتم لي؟ لقد تعلمنا أن الحرية الفردية تنتهي عند حدود حرية المجتمع، بالضبط، «أنت حر ما لم تضر»، هل هناك أحد مختلف مع المبدأ السابق؟

وهذا ما تدعو له الآية الكريمة السابقة ليتم لنا الترابط والتلاحم من زاوية تقديم الأمر بالمعروف والدعوة للفضيلة مع اليقظة التي هي من أهم صفات أي مجتمع سوي؛ المجتمع الذي لا يقبل بأن يتفلت أعضاؤه منه دون أن يمد لهم يد العون والدعم اللازم للنجدة بشكل ما.

وما أجمل أن يكون الدعم من نفس القاعدة المجتمعية العريضة دون تدخل من السلطة وبكثافة فتقف حائلا بين المتسيب والخطأ، وهذا يولد مناخًا يسوده التآلف الود والتكاتف من باب الرحمة. مع ملاحظة أن النهي عن المنكر مستحيل أن يستساغ من طرف يكتسي بالتباهي والزهو أحيانا وأحيانا يفعل من باب «المعايرة» أو الانتقاص من قدر المخطئ.

وقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من هذا الشعار «خليك في حالك» الذي نحن نتجول معه ضمنيا من خلال الحديث السابق. الذي يشير ضمنيا إلى انشطار وتفسخ المجتمع حين تعددت منابع القيم لهذا المجتمع بمعنى أن الفعل له عدة تقييمات، مثال: «من عيوني».

الفتاة التي تعاشر رجلًا، لتنجب، وعلتها أنها ترغب في أن تكون أمًا، وأنها سوف تتكفل بالمولود كفالةً تامة، وليس للمجتمع حقٌ عليها ما رأيكم؟ «خليك في حالك»، تنفع هنا،إنها فتاة تريد أن تمارس أُمومتها ولكنها لا تطيق الزواج. والموازين كثيرة، ومن يرغب في التبرير سيفعل!

وبهذا يتفتت المجتمع مع تعدد وحدات القياس «التقييم». وسيحل الهلاك على الجميع لأنه لن يفرق بين العالم والجاهل والضلالي والعارف واللص والأفاق، كل المجتمع هالك ستحل عليه اللعنة ومن الغريب أنها لعنة من صنع يديه!

وهذا يدفعنا لنقطة أعمق – في نفس حديث الرسول صلى الله عليه وسلم السابق – وهي لماذا أصبحوا لا يتناهون عن منكر فعلوه؟ هل هو الخوف، الجبن، النذالة، المنفعة؟ وهذا هو ما أدى لتفشي «التحرش الجنسي» لا يتناهون عن منكر فعلوه، ما رأيك؟

يحق أن نوضح أنه هناك التباس في معنى التناهي عن المنكر فهل هذا الحق متاح للكل؟ وفي أي ظرف؟وما هي الحدود الفارقة لهذا النهي؟ التناهي بين أمرين لا ثالث لهما، إما الإنكار الذاتي الصامت «ليقينك إنه منكر بأي درجة» والبحث لماذا أنت تنكر هذا الفعل؟ الثاني: النصح الخاص للفاعل أو أن تشرح بالدليل وبهدوء لمن في دائرة الحدث سبب إنكار الفعل.

لا بد من ملاحظة أن النهي عن المنكر كان أهم ركيزة في فكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولهذا تمكن من أن ينشر العدل، لدرجة أنه لما قبض على شارب الخمر في بيته، رد شارب الخمر على عمر الأمير وقال له: ـ أنت تجسستَ عليّ، وهذا منكر أكبر من جرمي، وتسورت بيتي،وهذا منكر أكبر، ودخلت، ولم تسلم وهذا منكر، هنا تنازل عمر عن الحد، لأنه تتبع عورات الرعية التي سوف يحاسب عنها، فما بالك وأنت مجرد فرد في المجتمع لا تحمل أي مسؤولية؟ فهمت المقصد والمرام! أكيد لا يحق التدخل السافر المعتدي، ولا أطلب منك أن تكون سلبيًا.

فالسلبية هي: «اللعنة التي تحل على المجتمع ومن صنع يديه وأفكاره» أم الشرور المشار إليها في الحديث السابق.

الخلاصة من يحاول أن يواجه ظاهرة سلبية فليواجها ما استطاع دون أن يجرح السلام المجتمعي، وفي المحيط العام لو كان صاحب صلاحيات وراع، ومن منا ليس له رعية؟ أبناؤك، أخواتك، أهلك الأقربين، وبالتأكيد أصدقاؤك وخصوصا أصدقاء الفيسبوك، عشاق الكتابة وإطلاق الشواذ من الأفكار، وجب عليك أن ترد عليهم ما دمت تملك الحجة والمنشور للعامة، والناشر الرافض للرد بعلة الخصوصية على صفحته ليس الأمر كذلك ما دامت الفكرة فارقت رأسك وتكلمت بها فعليك أن تتحمل مردودها أو لا تطلقها قط.

أما تتبع شأن الآخر المستور، أيا كان شكل الستر الذي اتخذه فما للمجتمع علية سبيل «يعني يفكر لنفسه فقط وله آراء يتسامر بها مع أصحابه» فيما ستره عنا بذاته أو بما يسره له الله. أما الانكباب والتطفل، هذا أمر لا يعقل ولا حجه أو علة تبرره وهدى الله من كان على هذا النحو.

شاع منذ عقد من الزمان بين الشباب أن يطلقوا على بعض الأخلاق أوصافا ليست في محلها فمثلا الشهامة والنجدة صارت تطفلًا وفضولًا «كأن يقولوا عن الشهم «حاشر نفسه»،كيف؟ مثال: سيدة تطلق صراخًا تستنجد بالجيران في الحي لأن زوجها يضربها ضربًا مبرحًا، نعم هو زوجها،وفي بيتها لها خصوصية وحُرمة، لكن هناك ضعيفًا يستنجد، ما الحل؟! «هل ستقول وأنا مالي؟ خلينى في حالي»

الرجل الساعي لفك قيد تلك السيدة شهم أم متطفل وفضولي. أرجو أن أكون قد لفت نظركم لزاوية أخرى عن «خليك في حالك» التي شاعت، فموضوعها حساس وهام، لأنه وجدان أمة وثوابت مجتمع.

ونكمل الأسبوع القادم. و«على ما تفرج».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ثقافة, دين, مجتمع
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد