عندما تسأل أحد الشباب العرب عن حال البلاد والعباد وإلى أين نحن صائرون، في الغالب ستجد إجابة مليئة باليأس والحزن مضمونها أننا من سيئ إلى أسوأ، ولكن الغريب أنك إذا جلست مع أحد البسطاء من العجائز وسألته نفس السؤال ففي الغالب ستجد إجابة مغايرة مفادها أن الأمل في وجه الله وأنه لا بد أن يتغير الحال.

وأنت كالبندول في المنتصف، تارة تستريح لقول هؤلاء وتارة يشدك قول هؤلاء، ثم لينتهي هذا الشد والجذب لابد لك من رحلة تغوص فيها في ذاتك لتبحث عن إجابة السؤال المحير، إلى متى؟

إيمان العجائز

جاء في الأثر أن الفخر الرازي مر في طريق وحوله أتباعه وتلامذته الكثر يأخذون عنه علمه وفهمه، فرأته عجوز ولم تعرفه، فسألت: من هذا؟

فقالوا: هذا الفخر الرازي الذي يعرف ألف دليل ودليل على وجود الله.

قالت: لو لم يكن عنده ألف شك وشك لما احتاج إلى ألف دليل ودليل.

فلما سمع الفخر الرازي بقولها، قال: اللهم إيمانًا كإيمان العجائز.

وهذه قصة عجيبة تقول الكثير، ولكن السؤال ما هو الإيمان؟ وما دخل الإيمان بالإجابة على سؤالنا إلى متى؟

اليأس نقيد الإيمان

يقول الله جل جلاله «إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ»، وإذا كان الكفر هو نقيض الايمان فإن اليأس هو نقيض الإيمان أيضًا، هكذا علمتنا الرياضيات وهكذا هي الحقيقة، ولكن كيف السبيل إلى بصيص أمل في هذا العالم المتوحش الذي سد جميع نوافذ التغيير وقتل جميع بوادر التعديل؟

بالمنطق وبالورقة وبالقلم، اليأس أقرب للصواب وغير ذلك دجل ليس له من دليل علمي ولا من حميم ولا شفيع يطاع، فكل ما على الأرض من بشر يسبح بحمد إسرائيل وأمريكا إلا من رحم ربك، وكذلك قال ربنا «وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ».

أنا أثق بأن الحال سوف يتغير وسوف تصبح بلاد المسلمين جنات تجري من تحتها الأنهار لا لغو فيها ولا كذب، والناس فيها لا يحاربون النظافة وفوق هذا فإنهم سيقدسون النظام، ولن يغدر الأخ بأخيه ولن تشتتنا السلطة ولن يفرقنا المال.

فهل أصبحت الآن مؤمنا بنظرك؟ هل أخذت صك الغفران؟ إليك عني فإني كفرت بكل الأحزاب والتنظيمات، وإني أنتظر الساعة، والساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر.

التاريخ والايمان

في كتابه الأنيق «كن كإبن آدم»، يقول المفكر جودت سعيد: «إن عدم رؤيتنا لارتباط الأسباب بالنتائج يجعلنا ننفي السننية وننكر القانون والميزان». مالي ومال القانون والميزان، كنا نبحث عن الإيمان، ما هذه الدوامة التي أسقطني فيها؟ أشعر أنني أحل أحجية صعبة المراس.

هي كذلك، فجواب السؤال يندرج تحت قائمة السهل الممتنع، والله يقول «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»، فاصبر واصطبر.

عندما كنت في المرحلة الجامعية وكنت أدرس الهندسة، كانوا يدرسوننا الجيل الأول من الاتصالات وما قبل الجيل الأول وكيف توصل إليه الإنسان وكيف توصل الى الجيل الثاني وهكذا، وكنت أسال نفسي لماذا على أن أدرس كل هذا ما دام هذا العلم وهذه التقنية اندثرت ولم يعد لها استخدام؟ من هذا الذي سيهتم بالجيل الأول والعالم يجهز للجيل السادس من الاتصالات؟

والإجابة كانت بسيطة وسهلة، وهي تشبه سؤالنا الأول إلى متى؟

نحن لن نستطيع أن نتوقع المستقبل وأن نفكر فيه ونعمل له ونطور ما بين أيدينا من تقنية إن لم نكن نعلم ماضي هذه التقنية وكيف صارت إلينا، وكذلك نحن لا نستطيع الإجابة على سؤال إلى متى سنبقى على هذا الحال المقزز والمقرف والمخزي، والذي لا يسرنا أن نلاقي به وجه ربنا، لن نستطيع الإجابة إطلاقا على هذا السؤال ما دمنا لا نعرف التاريخ، تاريخ المرض، أليس كلما ذهبت إلى طبيب سألك عن تاريخك المرضي؟

ما الذي حدث بأمثالنا ولم تخل من قبلنا المثلات؟ ما القانون والميزان لتبدل الأحوال؟ ماذا يقول لنا كتيب التاريخ؟ هل هناك أمل؟

شيفرة بلال

في رواية رائعة للكاتب والمفكر أحمد خيري العمري اسمها «شيفرة بلال»، يتتبع فيها الكاتب بصورة خيالية ناعمة ومؤثرة سيرة الصحابي الجليل بلال ابن رباح رضي الله عنه، هذا الصحابي الذي امتلك الإجابة او الشيفرة كما تقول الرواية في وصفها الدقيق.

كيف لعبد لا يملك أن يقضي حاجته دون إذًا من سيده، ولم يكن معه مال يغنيه ولا أهل ولا عشيرة تعينه وتحميه، كيف لرجل لم يمض على إيمانه إلا القليل أن يقف في وجه مكة دولة الكفر والقوة التي يهابها كل العرب والتي فيها عمر يوم كفره وخالد يوم كفره وأبو جهل وأبو لهب وكل صناديد الكفر؟

كيف لصاحب هذا العقل أن يدرس حالته وحالة خصمه ويقرر أنه أقوى منهم جميعا وأنه يستطيع أن يهزمهم ويمرغ أنفهم بالتراب، وقد صدق وانتصر، وقال فيه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه «بلال سيدنا وأعتقه سيدنا»، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم واصفًا رؤيته في المنام: «ثم سمعت خشخشة أمامي فإذا بلال»، يقصد الجنة، ما الذي فهمه بلال من التاريخ فعلم أنه حقًا منتصر؟

لن أطيل عليك، الشيفرة يا سيدي سهلة وبسيطة وأنت تعرفها وتحفظها هي «أحد، أحد».

ألم تكن رسالة الأنبياء جميعا هي «يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ»، هي ذاتها «أحد، أحد»، والله يقول «إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ» والله يقول: «وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ».

ولكننا جميعًا نؤمن بأن الله واحد لا شريك له، فلماذا لا ينصرنا الله؟

إلى متى؟

«وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ»، لقد اقتصر فهمنا للإيمان على شعائر الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج، وفوق هذا نحن لا نؤديهم حقهم، لأن حق هذه الشعائر مرتبط بغيرهم وغيرهم مرتبط بهم، هو كل واحد.

فلا تستقيم صلاة من يقطع إشارة المرور أو يبصق على الأرض مثلًا، ولا يستقيم صيام من يكذب الليل والنهار أو يشمي بالنميمة بين الخلائق مثلًا، ولا تستقيم زكاة من يأكل حق أخواته من الميراث أو من يستدين ولا يوفي إلا ما دمت عليه قائمًا مثلًا، ولا يستقيم حج من يطفف المكيال أو يأخذ الربا مثلًا، وكذلك لا تستقيم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد عبده ورسوله وقول الزور أو قذف المحصنات أو تولي كل من يفسد في الأرض ويبتغيها عوجًا.

ثمن التغيير

على الإنسان ألا يستوحش قلة السائرين في الطريق المستقيم وألا يفتنه زحمة الناس في سبل الغي والضلال، فالله يقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ»، والله يقول «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ»، والله يقول «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ».

والرسول يقول «يَأْتِي على النَّاسِ زَمَان القَابِض على دينِهِ كالقَابِض على الجَمر»، وهذا ما نعيشه اليوم، فكلنا يعلم أنه إن لم تدفع رشوة في أحد المستشفيات أو الدوائر الحكومية فإن دورك سيكون بعد عدد من الأشهر ليس بالقليل، وأنه إن خالفت قواعد المرور ربما ستصل أسرع، وأنه إن لم تداهن مديرك في العمل ربما تفصل، وأن صلاة الفجر على وقتها وفي جماعة مهمة صعبة، وأن التصدق بالمال وبأجمل الثياب وأزكى الطعام ثقيل على النفس، وأن الوقوف في وجه الظالم مخيف، وأن كلمة الحق مرفوضة ومنفية، نعم، من قال إن الأمر سهل، هذا طريق صعب ويحتاج جلد ومجاهدة للنفس وتزكية دائمة.

الخاتمة

يقول جلال الدين الرومي: «بالأمس كنت ذكيًا فأردت أن أغير العالم، اليوم أنا حكيم ولذلك سأغير نفسي».

على كل منا أن يبدأ بنفسه، ربما هذه أسرع طريقة لرؤية النتائج في أنفسنا وبالتدريج سنراها في الآفاق، وإن لم نبدأ بأنفسنا فلن يتغير شيء، حتى بعد مليون سنة، إذا بقينا كما نحن عليه فلا شيء سيتغير علينا، بل من سيئ إلى أسوأ، لذلك فإن التغير ليس من باب الترف والاستئناس، وإنما هو الوسيلة الوحيدة والشرط الوحيد الذي سنه ربنا في هذا الكون، إنه الميزان والقانون، إنه «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ»، فابدأ بالتغيير وكن مثل بلال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد