من حين لآخر يخرج من بين أنقاض الظروف القهرية التي يعيش فيها معظم شعوب الدول العربية شخص ناجح. شخص صنع شيئًا له ولوطنه وللبشرية. ويفتخر به أهله وزوجته والجميع بلا استثناء. أو يفتخر هو بنفسه على أقل تقدير.
ولكن هؤلاء الأشخاص لم يفعلوا شيئًا مألوفًا أو طبيعيًا؛ لقد خاضوا حروبًا نفسية وعائلية ومجتمعية من أجل الوصول لما أرادوا. وكل من حولك يريدك كذلك؛ يريدك جنديًا في ظل ظروف قاهرة تعجيزية تسمح فقط لواحد من بين كل مئة ألف مكافح أن يصل. على عكس دول أخرى توفر مناخًا خاصًا لمن يريد العلا وتوفر آخر لمن لا يريده. الأهالي، المدرسة، الشارع والقنوات الإخبارية تتغنى كل يوم باسم شخص ما قد حقق شيئًا ما عظيمًا في مجال ما والجميع يريدك أن تصبح مثله. شئت أم لم تفعل ذلك.
كل من هو ناجح عظيم. وكل من هو لا بالطبع ليس شخصًا سيئًا. يصنع الإعلام في بعض الأحيان حالة من الألوهية لبعض الأشخاص ويجعلك تضع في عقلك فكرة «العمل» فقط للوصول لما يريده الجميع من حولك. يريد الكل أن تكون ناجحًا، لا يهم في أي مجال أو في أي صورة. وحتى إن الجميع لم يستمع لرأي صاحب الشأن بخصوص هذا الموضوع، وهو أنت.
تصنع الصحف يوميًا الكثير من الآلهة، تريد أن ينتظم الجميع ويتخذوا من هؤلاء الأيقونات والرموز أمثلة ليمشوا في خطاها. يريد الجميع أن يجعلك تحارب طواحين الهواء لتصبح عالمًا في فيزياء الكم بمؤسسة علمية عالمية في فرنسا، يريد معلم الفصل أن تكون رائد فضاء في وكالة فضائية دولية ويريد والدك أن تظهر صورتك على غلاف صحيفة أمريكية صباح كل أحد. ولكن ماذا يحدث إذا أردت أن تكون مجرد بائع ورود تشتري مجلة الفن الأسبوعية وتسكن شقة بالإيجار في حارة ضيقة بشارع صمم معظم أبنيته الأثرية معماري إيطالي؟
دعوة للحياة، للهدوء ولبعض الحرية. علينا أن نعيش في بعض الأحيان. فقط نعيش. لا يوجد قوة في الكون تستطيع إجبارك على أن تعيش ظلًا لشخص ما أو فقط تأتي الدنيا لتحاول الوصول لما وصل إليه شخص آخر. أنت ناجح بالفعل، نجحت في «الحياة».
إذا كان لديك بضعة أحلام فحققها. ولكن لا تسمح لأحد أن يوهمك بأنك خاسر أو ضعيف لأن غيرك وصل لما أراد وأنت لم تفعل. لم نُخلق بنفس درجات الإصرار، من يعلم ماذا خسر رائد الفضاء هذا أمام ما حققه؟! من يعلم ماذا فعل صاحب الصورة على غلاف الصحيفة لقاء تحقيق ما أراد؟!
السباحة في بركة الوحل ليست شيئًا «عاديًا» ومن يقارن بينك وبين شخص ليس عاديًا وصل لما يريد في ظروف ليست «عادية» فهو كاذب. ويريد فقط إلقاء اللوم عليك والابتعاد عمن وضعوك في هذه الظروف «غير العادية».
لا يوجد ما يسمى «نجاحًا»؛ يوجد فقط إنسان حقق ما أراد، يوجد شخص فعل ما لم يفعله أحد من قبله، يوجد من فعل المستحيل. وكل ذلك محض اجتهاد لا يجب أبدًا فرضه على البشر خصوصًا في ظروف لا تسمح به من أجل تسخير البشر ودفعهم للعمل الذي لا يحصلون فيه على مقابل عادل.
من حق أي شخص أن يتحلى بالصبر ولكن يجب أن يكون هذا الصبر بمحض إرادته الحرة. الأحلام ليست فرضًا على أحد والآمال لا تؤكل على مائدة الطعام. لذلك عليك إذا أردت عيش حياتك بشكل «عادي» وهادئ فلك ما شئت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد