لماذا أكتب هذه السلسلة من المقالات؟

ببساطة لأنني كنت كارهًا للمرأة، ظالمًا للمرأة، متكبرًا على المرأة. هل توقفت عن ذلك؟ نعم، ولكنه الوقت المناسب لأغسل يدي مما اقترفته تجاه أية امرأة، من قول أو فعل أو حتى فكرة نبتت في عقلي يومًا ما.

قبل أن أبدأ بالحديث، اسمحوا لي أن أقسم المرأة في عالمنا العربي إلى ثلاثة أقسام رئيسة:

  • نساء تعرف قيمتها كأنثى، وتفتخر بها، وترفض التنازل عن حقوقها، لكن نسبتهن قليلة للأسف، ويتعرضن لأبشع أنواع الاضطهاد الأسري والمجتمعي، وينظر لهن كأنهن عاهرات يتمردن من أجل الجنس فقط، ويرفض معظم الرجال الزواج منهن خوفًا من المرأة القوية التي تنافسه في كل شيء، ويمكننا القول إن معظم تلك الفتيات من الطبقات الأكثر ثقافة ووعيًا وتعليمًا.
  • نساء تعرف أن معيشتهن غير عادلة، ولكنهن ضعيفات يؤثرن السلامة، فلا قوة ولا جرأة لهن لمواجهة المجتمع، فيرضين بالأمر الواقع، ربما ينفجرن من وقت لآخر، ولكن شأنهن شأن شعوبنا العربية، فإما يتم قمعهن سريعًا، أو يتم إسكاتهن ببعض التنازلات المؤقتة.
  • نساء عديمات المعرفة والثقافة تم إقناعهن بصورة أو بأخرى من خلال مجموعة من الحجج الدينية والأعراف والتقاليد المنتشرة في مجتماعاتنا المتخلفة، بأنهن كائنات لا ترتقي لمرتبة الرجال، إلى الحد الذي جعل منهن الخطر الأكبر على تحرر المرأة، فأكبر خطر قد يلحق بطرف ما في أية معركة هو أن يتآمر عليه من يقفون معه في نفس الخندق.

إذن.. أنا أخاطب من من بين هؤلاء؟

صراحة أنا أخاطب الثلاث؛ الأولى لتشجيعها على المواصلة، والشد على يدها، والثانية لمساعدتها على الاستقواء في وجه أسرتها ومجتمعها، وإقناعها بألا تكتفي بمسكنات، وبأن عليها أن تطالب بالمزيد، والثالثة ـ في محاولة يائسة ـ لإفاقتها من الغيبوبة التي تعيش فيها دون أية ثقافة أو وعي بجمال وروعة أنوثتها.

إن أسباب الظلم الواقع على المرأة منذ فجر التاريخ، أو مع بداية البشرية، عديدة، لا يمكن حصرها في سبب واحد، كالمنظور العقائدي والديني والمجتمعي، وغيرها من الأسباب والمفاهيم المتوارثة، والتي سأتحدث عنها تباعًا، إضافة إلى التفوق الجسدي للرجل، خاصة في العصور البدائية، والذي اعتقد أنه يمنحه التفوق على المرأة في كل المجالات، فمارس قوته الجسدية في قمعها، بدلًا من أن يستخدم «كرجل» قوته تلك لحمايتها، متناسيًا أن المرأة تملك أوجهًا أخرى للقوة، وأن من رحمها خلق الذكر والأنثى.

الحديث طويل وسأبدأ اليوم بأول فصوله وأكثرها حساسية، وهو «الله»، والله هنا يعني الإله العادل، فلا أستطيع أن أتصور الإله ظالمًا، أما الأديان فهي كثيرة، وكل منها يدعي أنه هو الصواب، وبأنه الرسالة المرسلة من قبل الرب، والتي يجب علينا الالتزام بتعاليمها، إذن فلنتفق أن الفيصل بيننا في التسليم بألوهية النصوص هو عدلها؛ لأن الرسالة إذا لم تكن عادلة، فإن هذا يعني، إما أنها غير منزلة من الرب، أو أن بعضا من نصوصها غير منزل من الرب، لذلك إذا ما كانت هذه الرسالة تحقر من المرأة او تضطهدها، يجب ألا يتسبب ذلك بأي حرج للمرأة، ولا يجب أن تخضع المرأة لهذه المعادلة الخبيثة:

أما أن تقبل بالنصوص التي تفرض عليها قوانين تنقص منها، وتضعها في مصاف العبودية، أو أن تتخلى عن دينها وتكفر بخالقها.

بل يجب أن تقلب المرأة المعادلة وتكون على الصورة التالية:

على الأديان أو من يتحدثون باسم الرب أن يقنعونا بعدل ما يقولونه وما يتناقلونه، أما بالنسبة للنصوص الدينية فعلى من يدعوني للإيمان بها أن يجد مخرجًا مقنعًا ليقنعني بها، فإن لم يجد فهذه هي مشكلته لا مشكلتي، وأنا لست مجبرة على الإيمان بها، ولا أجد أنه من المنطقي أن يحاسبني الله على رفضي لقوانين غير عادلة وغير منطقية.

اعلم أنني في هذه اللحظة قد أثرت وخسرت نسبة لا بأس بها من قرائي المقال، ولكن ما لكم كيف تحكمون؟ إن الله لم يكن ليخلق المرأة لو كان كارهًا لها، أو محتقرًا لها، وإلا فلماذا خلقها؟ إن الله لم يخلقها من أجل التناسل فقط، لأن الله كان قادرًا على أن يخلقنا من الكائنات التي تتكاثر ذاتيًا مثلًا.

بعد قراءتي لجميع الأديان الثلاثة، وجدت ـ بما لا يدعو مجالا للشك ـ احتقارًا للمرأة، وإنقاصًا من مكانتها، بداية من قصة الخلق، والضلع الأعوج إلى آخر النصوص الدينية التي عرفتها البشرية إلى يومنا هذا، فأستطيع أن أجزم بوجود نصوص غير آدمية في جميع الآديان السماوية تعامل المرأة، ككائن من الدرجة الثانية أو الثالثة، وبالرغم من أن كل دين يحاول تقديم نفسه بصورة أكثر تحضرًا من الأديان الأخرى فيقوم رجال دينها بإبراز النصوص والآيات والأحاديث التي تنص على احترام المرأة وتقديرها، ولكنهم يعلمون كما نعلم نحن أنهم يخفون العديد من النصوص الأخرى التي تخرج في فتاوى أخرى أو عند الاحتكام للدين في أول خلاف أسري أو جلسات عرفية أو حتى أمام قاض في محكمة أو مشرع في البرلمان.

النصوص التي تحقر من المرأة وتضعها في مرتبة أقل من الحيوانات عديدة، فمثلًا نجد قصة غريبة في سفر القضاة الإصحاح 19 تتحدث باختصار عن رجل يهودي ارتحل إلى سبط بنيامين، وكان اليهود وقتها منقسمين إلى 12 سبطًا، واستضافه رجل من سبط بنيامين، واجتمع عدد من أهل المدينة وكانوا يريدون أن يغتصبوا الرجل، فقال لهم صاحب البيت؛ إنقاذًا للرجل: إليكم فتاتي العذراء وزوجة الرجل، وإنقاذًا للموقف، ضحى الرجل بزوجته، وسلمها لهم، وتناوبوا على اغتصابها، وبعد أن تناوبوا على اغتصابها، وعادت إليه في حالة يرثى لها، كان جزاؤها أن قام بتقطيعها بالسكين إلى 12 قطعة وأرسلها إلى الأسباط الـ 11 الآخرين من بني إسرائيل ليأخذوا بثأره، وتستمر القصة بمعركة، وبمباركة من الرب، وكان ما فعله الرجل أمرًا طبيعيًا لا جرم فيه.

هذا مثال من ضمن عشرات الأمثلة لوضع المرأة في العهد القديم، وسفر القضاة أحد أسفار «التناخ المقدس» الذي يؤمن به اليهود والمسيحيون على حد سواء، ولا خلاف على قدسيته.

وبالرغم من أن نظرة الإسلام للمرأة أفضل بكثير مقارنة بالكتب المقدسة التي سبقته، إلا أن هناك الكثير والكثير من النصوص الدينية التي تحقر من المرأة وتصنفها على أنها كائن منتقص الحقوق، وجميعنا يعلم حديث أبي ذر الغفاري، في صحيح مسلم الذي قال فيه عن الرسول صلى الله عليه وسلم «يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب»، روايات وأحاديث عديدة تحرض على المرأة باعتبارها مكمن للشرور فنجد في صحيح البخاري حديث يقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء».

بالطبع، سيثير حديثي هذا حفيظة المتدينين من كل العقائد وسيتهمونني بالكفر والإلحاد، ولكنها الحقيقة، لن أدفن راسي في التراب وأصفق لمثل هذه النصوص، وكما ذكرت في بداية المقال: «على رجال الدين أن يجدوا مخرجًا ويقنعوننا بعدالة هذه النصوص، وإلا فلينكروها، أما فكرة عدم إنكارها ومحاولة ليها من البعض، وتأويلها من البعض الآخر، واقتناع الكثيرين بها، فهو أمر مرفوض قولًا ومضمونًا.

لن أذكر جميع هذه النصوص؛ لأنها بالعشرات في كل دين، وكل نص يلزمه عشرات المقالات من التحليلات والردود، بالطبع سيتهمني الكثيرين بالجهل، وبعدم الدراية الكافية بالنصوص أو مقاصدها، أنا لن أدخل في صراع لإثبات صحة نصوص دينية من عدمها، وأي دين صواب وأي دين خاطئ، لكي لا ننجرف لجدل وجودي، وتضيع القضية الأساسية التي أتحدث عنها، لذلك أرجو أن تضع كل امرأة هذه القاعدة نصب أعينها «أنت غير مجبرة على الالتزام بتعاليم تحقر منك، وتجبرك على لعب دور الجارية بصورة أو بأخرى».

على المرأة أن تثق في نفسها؛ فقد نجحت المرأة في أن تثبت نفسها، وتتفوق أحيانا على الرجال في العديد من المجالات، بمجرد إتاحة مناخ تستطيع من خلاله العمل والمنافسة، سأتحدث في الأجزاء القادمة عن وضع المرأة في القانون، والمجتمع، وعلاقة المرأة بأسرتها وبزوجها وأبنائها، وكذلك جمال المرأة، وكيف ينظر له أنه عار عليها وعلى من حولها، وأيضا حقوقها الجنسية، وكيف يجب أن لا تخجل منها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد