متلازمة ما قبل الحيض

قد يبدو للوهلة الأولى هزلية ساخرة تكتنف جوانب هذا العنوان، هزلية من وجهة نظر ذاك الذي يقف موقف المتفرج مما يحدث على الجانب الآخر من الحياة، وبالتحديد لدى المرأة. لقد كانوا دومًا يحذرون من النساء ومن تلاعب حواء ومن مكرها ودهائها وخصوصًا لدى الموروث الشعبي وهذا لا يعني بالضرورة أنه صحيح ولكننا نقر بوجوده مع عدم الإقرار بصحته. ولكننا هنا نعرض جانبًا آخر من النساء؛ ذلك الجانب الذي يمثل الاضطراب والألم والخوف والبكاء والاكتئاب والحزن والقلق وبقية القائمة، ذلك الجانب الذي قد لا يعرفه غالب الرجال وربما قدر من النساء أيضًا، الجانب المتواري والمتكرر بصفة دورية. قد يكون ما طرأ على عقلك عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة الطمث.

لا؛ ليس ذلك الجزء من دورة الحياة المسماة بالدورة الشهرية، وإنما ما يسبقها.

ما هي متلازمة ما قبل الحيض؟

تلك المتلازمة والمسماة (premenstrual syndrome) واختصارًا PMS، حيث تعني كلمة متلازمة مجموعة من الأعراض والعلامات Signs and symptoms التي تصف بمجموعها مرضًا معينًا أو أية حالة غير طبيعية، وفيها تتعرض المرأة لعدد من التغيرات الجسدية والنفسية والسلوكيات والتي قد تؤدي إلى تدهور العلاقات والأداء المعتاد.

إذن يرتبط المفهوم بعدم قدرة المرأة على ممارسة الحياة بشكل طبيعي وما يترتب عليه من اضطراب الحياة اليومية والمشاعر والسلوكيات. وهو يصيب النساء في مرحلة الإخصاب لارتباطه بالتبويض وما يعقبه من تغيرات هرمونية، وتكون ذروته في العقد الرابع وتختفي الأعراض تمامًا عند انقطاع الطمث، فيبدو الأمر وكأن الرسالة التي يخبرنا بها الرحم أنه على وشك النزيف.

يشبه الأمر- وهو تشبيه هزلي غير حقيقي للتقريب- أن تصاب المرأة في الأيام السابقة للطمث بجرثومة ما كما يحدث في أفلام الخيال العلمي، والتي سرعان ما تنتشر في الدم مسببة اختلال معدلات السوائل والأملاح الطبيعية، فتشعر المرأة بالانتفاخ العام، وآلام وانتفاخ الثديين، واختلال في كيمياء المخ مما يؤدي إلى الصداع والحزن والاكتئاب والضيق… إلخ.

الخبر الجيد: أنه بالطبع هذا لا يحدث لكل النساء وتتراوح شدته ومعدلات حدوثه من امرأة لأخرى ومن فترة عمرية لأخرى وتبلغ ذورته في العقد الرابع من العمر كما أسلفنا.

الخبر السيئ: أنه يحدث لبعضهن، وأحيانًا يصيب تلك النساء اللاتي في العادة لا يصيبهن في أوقات التوتر أو على فترات ذات طباع خاصة. إنهن قد يقلن:

-«أشعر برغبة عارمة في البكاء وبدون سبب ملموس».

-«لا أستطيع أن أقوم من السرير وممارسة حياتي كالمعتاد».

-«أرغب بقتل أحدهم».

-«أُصبح في هذه الفترة حساسة لأبسط الأشياء وقد أجلس على الرصيف أبكي لأن المترو قد غادر بدوني».

-«أشعر بالحزن الشديد وتنتابني أفكار سوداوية وأفكار عن الموت في هذه الفترة».

-«أتخيل أن عزيزًا عليّ قد أصابه مكروه وأبدأ في البكاء».

-«أصرخ فيمن حولي دون أن يستدعي الموقف ردة فعلي».

-«أشعر بالخوف الشديد وكأن مكروهًا على وشك الحدوث».

-«تضطرب شهيتي ونومي وتنتابني الكوابيس».

-«أعاني من تقلبات مزاجية متكررة».

ما هي أسباب هذه الأعراض؟

لا يوجد سبب أساسي معروف لهذه الحالة، لكن هناك بعض النظريات التي تشير أنه قد يكون ناتجًا عن خلل في الهرمونات الأنثوية (الإستروجين والبروجيسترون) بالزيادة أو النقصان أو الانتقال من مستوى لآخر بشكل سريع، وقد يكون نتيجة نقص فيتامين ب 6، أو تغير في أيض الجلوكوز أو اختلال معدلات الماء والأملاح، أو نتيجة نقص السيروتونين، أو نقص بعض المعادن مثل الماغنسيوم أو الكالسيوم.

أحيانًا بل وكثيرًا ما تشعر النساء بكونها تحت لعنة الهرمونات التي تصيبها بصفة دورية وبمعدل شهري، لكن على النقيض قد تشعر فئة أخرى بنعمة تكتنف تلك المرحلة المتكررة والتي تُمكِّنها من التخلص من تراكمات وأحزان ومشاعر قد لا تستطيع أو تعرف طرق التخلص منها بشكل آخر واع أو لا واعي.

تُعقب إحداهن ساخرة وممتنة في نفس الوقت «إنها تغسلني من الداخل»، فـللبكاء على سبيل المثال لا الحصر قدرة على تحفيز إفراز المسكنات الداخلية وتفريغ المشاعر السلبية والتهدئة.

تشخيص هذه المتلازمة

للأسف الشديد لا توجد فحوص اختبارية معينة لتشخيص هذه المتلازمة، لذا يتم تشخيصها أولًا مما سبق ذكره في التعريف ألا وهو أنها أعراض أو علامات معينة تبدأ قبل الحيض بأيام، وتنتهي ببدأ الحيض نفسه، ومن ثَم يتم تسجيل يومي للأعراض على مدار دورتين متتاليتين وبناءً عليه يتم تحديد شدة المتلازمة وكيفية التعامل معها، وتتمثل هذه الأعراض في:

– صعوبة النوم.

– الصداع.

– القلق والتقلبات المزاجية.

– الاكتئاب.

– اضطراب المشاعر والشعور بالغضب والضيق بدون سبب واضح.

– صعوبة التركيز وضعف الذاكرة.

– العنف.

– اشتهاء أنواع معينة من الطعام.

– آلام بالحوض والثدي.

– هبّات الحرارة.

– الانتفاخ.

ما هي الحلول المقترحة للتعامل مع هذه المتلازمة؟

تختلف تلك الحلول على مدى واسع باختلاف درجة وشدة الأعراض ما بين مجرد تغيير في نمط الحياة والتي قد تناسب فئة وتأتي بالهدف المرجو عندها، ونتيجة مشابهة ولكن من خلال وسيلة أخرى. وتشمل هذه الاقتراحات:

– تقليل الأطعمة السريعة والدهون والملح مع زيادة الخضراوات والفاكهة والحبوب الكاملة.

– زيادة الوجبات عددًا وتقليلها كمًا.

– أخذ قسط كاف من النوم.

– ممارسة الرياضة وتمارين اليوجا والاسترخاء لما لها من أثر في تقليل التوتر وزيادة إفراز الإندورفين وغيره من المسكنات الطبيعية.

– تقليل تناول الكافيين كالقهوة والشاي، والكحوليات.

– التدليك وبعض الأعشاب ذات التأثير المهدئ.

– المنتجات الدوائية:

  • المسكنات، والهدف منها تقليل التشنجات وآلام الثدي.
  • مضادات الاكتئاب، وهدفها تخفيض الأعراض وتوصف لحالات معينة.
  • وسائل منع الحمل والهدف منها إيقاف عملية التبويض ومن ثَم إيقاف الأسباب المؤدية لهذه الأعراض من الأصل.

مع التأكيد على أن النوعين الأخريين يُصرفان وفقط تحت إشراف الطبيب.

الخاتمة

يقولون إن معرفة المشكلة تعادل نصف المسير، لذا فإن معرفة وتعريف معين لما قد يصيب امرأة ما في فترة معينة من حياتها قد يُعينها نفسها ومن حولها (وخصوصًا الزوج) للتعامل مع الأمر على الوجه الأمثل من حيث معرفة حاجتها في هذه الفترة إلى الاسترخاء والاحتواء والتفهم وسعة الصدر، أو الحاجة إلى استشارة طبية إذا تطَلَّب الأمر لتفادي ما قد يترتب عليه من عواقب غير محمودة.

وأخيرًا سيدتي العزيزة تصالحي مع طبيعتك وافهميها وأحبي ذاتك وجوهر أنوثتك، فذلك سر الحياة، ولا بأس في أن تكون تلك الفترة بمثابة هدنة مؤقتة للتخلي على الثبات الدائم والقوة والتحمل، هدنة تفرغين فيها غضبك وتوترك وكل مشاعرك السلبية، هدنة تستطيعين فيها تناول طعامك المفضل من حلويات وغيرها، هدنة تُمكنك من «كنس مدخنة» الشهر الماضي لتبدئي دورة حياة جديدة في باطنك وظاهرك على السواء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد