1,987

أحيانا أقوم بإعفاء اللحية قليلاً و في بعض الأحيان أقوم بحلقها ، أي أنني لست ملتزما بها في غالب الأحيان، فهي نفحات تمر علي، فأيام بعضها أترك فيها اللحية تنمو تطول، وأيام أخرى لا يكون لها أي أثر.

لكن المضحك المبكي هو أنني عندما أعفي اللحية أتحول وسط أقراني إلى شيخ، ووسط من لا أعرفهم إلى عالم، وأحياناً إلى مفتيا!

وفي الحقيقة، أنا لم أصل بعد لهذه الرتبة، فيصبح من يعرفني ومن لا يعرفني يطلق علي لقب الشيخ، والجميع يسألني في الدين ويقول: يا شيخ. يا شيخ. وكأن هذه اللحية هي مدينة العلم وبابه.

وفي نفس الأسبوع أقوم بحلق اللحية فيصبح ذلك الذي كان يطلق علي لقب الشيخ ، يتحول تلقائيا ويناديني بسمي الطبيعي “عامر”

لقد مرت اللحية بتغيرات كبيرة عبر الزمن؛ فالرجل الذي كان في وجهه اللحية كانت تختلف مكانته من عصر لآخر، ومن مجتمع لمجتمع، وأيضا فلسفتها قد تغيرت؛ فشباب اليوم الذين يعفون اللحية أصبحت لهم أسباب تختلف عن شباب الأمس، لهذا سنحاول أن نغوص قليلا في تاريخ اللحية، بين مختلف الشعوب والمجتمعات.

موجز في تاريخ اللحية :

اللحية هي ذالك الشعر الذي ينموا على ذقن الرجال و يرجع نمو اللحية إلى الهرمونات الذكرية التستسترون، وقد كانت اللحية ظاهرة مقبولة في كافة المجتمعات تقريبا، وكانت أحيانا مظهرا من مظاهر السلطة.

يرجع وجود اللحية لأوائل البشر على الأرض وهذا راجع إلى أن نموها كان طبيعيا، ولم تكن آنذاك وسائل الحلاقة.

3000– 1580 قبل الميلاد : كان المصريون القدماء يحلقون رؤوسهم ووجوههم غير أنهم كانوا يلبسون لحى اصطناعية مُستعارة. وأما في وقت الحداد فكانوا يطلقون لحاهم وشعور رؤوسهم،  كان المصريون هم ملوك اللحية المستعارة التي كانت مصنوعة من المعدن بل إن كثيرًا من تماثيل النساء من الطبقات العليا، مزودة بلحى مستعارة.

وبالنسبة لحضارة ما بين النهرين فقد اهتموا كثيرا باللحية وأعطوها عناية كبيرة، حتى أنهم كانوا يستعملون منتجات خاصة للحفاظ عليها وتمشيطها.

وقد تميزت أيضا تلك الحضارات بألوان مختلفة للحية فالأشوريين كانت لحاهم مصبوغة بالأسود، والفرس بالبرتقالي والأحمر.

أما عن روما واليونان، فقد كتب ألبرتو سافينو: “كانت اللِّحى الزرقاءُ الداكنة منتشرةً في المنحوتات والتماثيل، وكانت تُعتبر مثالية عن اللحية السوداء، كان كذلك، شعر ذي انعكاس أزرق داكن”

أما في صورة الملك سنحريب الأشوري يظهر فيها وله لحية منسقة

نعود قليلا لليونان ، فقد كانت اللحية علامة على الشرف، وعند الرومان في فترة لوسيس ناروينيس استعملوا شفرات الحلاقة من أجل توجيه المدينة نحو الإصلاح الصحي (616 – 578 ق.م).

سافرت مجموعة من الحلاقين الصقليين من جزيرة صقلية إلى الأراضي الرئيسية في إيطاليا. أقاموا محلات الحلاقة التي تقع على شوارع أنابيب روما. وعادة ما تستخدم صالونات الحلاقة من قبل الناس الذين لا يملكون العبيد، لأنه إذا كنت تملك العبيد فإنهم من سيتكفلون بالحلاقة.

وقد كان الشباب الروماني يقدمون لحاهم في أول مرة يحلقونها كقرابين لإلهة الحظ.

بالرغم من هذه الحملات إلا أن أمر اللحية لا يزال مقبولا في هذه الفترة. ويروى عن الإسكندر الأكبر، أنه  أمر جنوده المقدونيين بأن يتخلصوا من لحاهم قبل أن يبدأ حملته العسكرية ضد الفرس، فوقف يخطب فيهم عام 323 ق. م. قائلاً: “أنا لا أطلب منكم شيئاً ذا بال عندما آمركم بأن تزيلوا لحاكم، فليس ثمة أفضل من اللحية أداة للسيطرة على رجل، إن تمكن منها غريمه عند النزال”.

أما الماجوس فإنهم خالفوا الجميع ، فإنهم حلقوا اللحية وأعفوا الشوارب . أما في الإسلام فقد انتشرت اللحية وكست وجوه الرجال، وهذا طبيعي وهو من الفطرة كما أخبر به رسول الله صلى الله عليه و سلم عشرة من الفطرة وذكر قص الشارب وإعفاء اللحية ، ولن أطيل عليكم في حكم اللحية والتفصيل فيها؛ فبمجرد بحث بسيط سيتبين لك أمرها.

أما العصور الوسطى فقد أثر الرومان على الكنيسة الكاثوليكية، فجعلت رجال الدين فيها يحلقون لحاهم بصورة تامة في البداية، إلا أن الباباوات والكرادلة، عادوا إلى تربية لحاهم في القرنين السادس عشر والسابع عشر. أما الكنيسة الأورثودكسية والكنائس الشرقية، فتعتبر حلاقة اللحى مخالفة دينية كبيرة.

وفي روسيا في عهد القيصر بطرس الأكبر، اعتُبرت اللحية مظهرا من مظاهر التخلف، فأمر بفرض ضريبة عليها، حتى يحث أصحابها على حلاقتها. وفي الهند، يهتم السيخ بصورة خاصة، بتربية لحى طويلة ملفوفة، لا تحلق ولا تشجب أبدا، وهي علامة من علامات الإيمان عندهم. واعتُبرت اللحية في أوروبا في القرن التاسع عشر، مظهرا من مظاهر الثورية والحياة البوهيمية، وفيما بعد، علامة من علامات الريادة والتقدمية، فانتشرت بين الكتاب المشهورين والعلماء والأطباء والفلاسفة.

ولعل أغرب القصص حولها هي ضريبة فرضتها الملكة إليزابيث الأولي، في أعقاب تتويجها ملكة لإنجلترا، على كل من يطلق لحيته؛ كما يروي بعض المهتمين بالتاريخ الأمريكي أن لحية ابراهام لينكولن كانت أحد أسباب انتزاعه الفوز في انتخابات الرئاسة، عام 1860، وكان إطلاق القساوسة البروتستانت للحاهم إعلانا لنهاية البتولية المفروضة عليهم من الكنيسة.

لكننا اليوم نلاحظ أن هذه اللحية قد تحولت إلى موضة أكثر من شيء أخر ، خاصة عند المسلمين ، فأصبحوا اليوم يحلقون لحاهم و يتركونها تنمو بأشكال مختلفة وغريبة وبأحجام متفاوتة الغرض من كل واحد منهم هو جذب الانتباه ، أو ربما محاولة الظهور بمظهر جميل ، أو أخفاء ندبة في الوجه و غيرها من الأسباب الأخرى ،

فقد اشتهرت بشكل كبير في فترة السبعينات مع أشهر فرق موسيقى الروك مثل “بيجيز” و”ميتاليكا”، لتعود هذه السنة بشكل أكثر جاذبية، انطلق انتشارُها من باريس عاصمة الموضة العام الماضي لتستوردها الولاياتُ الأمريكية خاصة منهم نجوم هوليوود المنتمون إلى عالم الفن والموضة كـ”جورج كلوني” و”بن افليك” المشهورين بشكل كبير في عالم السينما.

الله سبحانه و تعالى خلق الإنسان و أوجد فيه اللحية بصورة طبيعية حتى توجد فيه مزيد من الرجولة و الهيبة ، فكما مررنا بتلك المرحلة التاريخية التي ذكرتها فإن تأملاتها ستجد أن جميع ملوك العالم و الشخصيات الكبيرة هي ملتحية ، فقد كانوا جميعا على الفطرة ، فالإسلام حين جاء أراد أن يجعل الناس تسير على فطرتها الطبيعية و لا تخالفها حتى تحقق الاطمئنان و الاستقرار .

فاللحية فطرة فالإنسان وهي تضيف الرجولة للرجل ، فكما قلت من قبل فأنا لن أتكلم عن حكم اللحية ولكن كما تقلدون العديد من الفنانين و الشخصيات أليس الأجدر أن تقلدوا سيد الخلق محمد صلى الله عليه و سلم ، و اليوم نجد أن هناك العديد من الأبحاث تأكد أن للحية فوائد عديدة.

في النهاية أريد أن أوجه رسالة للذي لم يقتنع باللحية ، لا داعي لأن تسب أصحاب اللحى ، فنحن هذه الأيام ننظر لمن يملكها كأنه منافق وسارق وخادع وفيه كل الصفات المذمومة ، فإن وجدنا ملتحيا واحدا يخطئ نسقط التهمة على الجميع ونقول: كل الملتحين سراق وفيهم … و فيهم … لكنك لو نظرة من زاوية أخرى رأيت عدد المنافقين و المخادعين و السارقين من الذين لا يملكون اللحية أضعاف مضاعفة ، ولكننا لا نقول إن كل من لا يملك اللحية سارق أو كافر ، أو مخادع، طبعا لا .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك