قالت: «أنكم سوف تحكمون علي بالإعدام،لكن لا تنسوا أنكم بقتلي تغتالون تقاليد الحرية في بلدكم، لكنكم لن تمنعوا الجزائر من أن تصبح حرة مستقلة».

الحديث عنها صعب وذو شجون، هي امرأة خلدتها الذاكرة جزائريًا وعربيًا، ليست مجرد اسم يتردد على أسماعنا ونحن نقرأ كتب التاريخ، إنها سيدة الجزائر، إنها البطلة،الفدائية،المناضلة، إنها رمز الشجاعة والصمود والإخلاص، ورمز الكفاح والنضال الجزائري، إنها عنوان للكرامة والحرية الإنسانية.

امتازت ابنة القصبة بشفافية الروح لدرجة الإلهام، فكتب عنها كبار الشعراء وغنى عنها كبار الفنانين، وحمل العديد من الشوارع والمدارس اسمها لعل هؤلاء الشباب يأخذون القليل من وطنيتها ويقتدون بها.

آمنت بأن الدم هو الذي يحرر الجزائر وليست الدموع، لأنها كبرت وترعرعت في بيت يعشق أهله الوطن فأكسبها النضال بالوراثة، وتشربت مبادئ المقاومة والكفاح من أسرتها الثائرة، فأقبلوا جميعًا على كسر شوكة الاستعمار.

كانت تحرص دائمًا وقبل كل عملية تقوم بها ضد الاستعمار على الوضوء والاغتسال خوفًا من أن يقتلها الفرنسيون فلا تلقى ربها نظيفة، وكلما سألتها زميلتها في الكفاح عن سبب قيامها بذلك ردت قائلة:«حتى إذا قتلني المستدمر لقيت ربي نظيفة، ألا نتوظأ لنصلي لله! فكيف بنا إذا كنا في طريق لقياه»،لكنها في آخر عملية قامت بها  لم تلق ربها بل لقيت الفرنسيين وسقطت في قبضتهم لتبدأ رحلتها القاسية مع العذاب، فرأت من العذاب ما رأت، سكين حادة وحارة  دغدغوا بها مكان الجرح، صعق كهربائي لمدة ثلاثة أيام بأسلاك كهربائية ربطت على حلمتي الثديين وعلى الأنف والأذنين، وضعت عارية أمام الضابط وجنود المظلات وهددت بأن تغتصب إن لم تقر، واستمر التعذيب حتى أصبح  جرح ثديها مفتوح كليا، ولربما ما جاء به الإعلام والمؤرخون جزء مما عاشته وأن ما تعرضت له أعظم وأكبر من ذلك بكثير، فيكفي أنها أبت أن تعترف رغم كل الذي ذاقته لتكون بذلك الشهيدة الحية.

ما يحز بخاطري الآن هو : أين هي جميلة؟ أين نحن عنها؟ هل هي في خبايا ذاكرتنا! أم  ساكنة في قلوبنا؟! أم أصبحت في زوايا النسيان؟! أين هو إعلامنا المشرف عن جميلة؟ وأين هم الأدباء والكتاب والمؤرخين عنها؟ أم أن أقلامنا جفت ورفعت؟!

إلى الذين يريدون تجسيد قصة حياة المجاهدة البطلة جميلة بوحيرد، لا بل ويتاجرون بهذا العمل ويتسابقون عليه، أقول لكم طيبوا خاطرا فلو قمتم بإنتاج آلاف الأفلام  لن تنقلوا لنا جزءا من الذي عاشته، فالذي عايشته جميلة يخصها وحدها.

أيها السادة نحن نريد نقرأ عن جميلة لا أن نشاهد لها فيلما يخدم ممثلة ويساهم في شهرتها، والله بتنا نخجل من أنفسنا ومنها أولا عندما ندخل مكتبة من المكتبات ونبحث عن كتب تحكي لنا عن جميلتنا  فلا نجد سوى رقم أ ورقمين أو بالأكثر ثلاثة يسردون لنا قصة حياتها، وقبل أن أختم هذه الفقرة وجب علي أن أتقدم بجميل الشكر والعرفان لكل من أسال حبره لجميلة بوحيرد  وأخص بالذكر أستاذي القدير كبداني فؤاد الذي أبدع في الكتابة عنها، فلولاكم جميعكم لما قرأنا عنها.

أعتذر لك سيدة بوحيرد لأنني قصرت في الحديث عنك ولربما أكون أخطأت في نقل هذه النبذة عن حياتك النبيلة والمشرفة، أقول لك يا جميلة أنت حقًا جميلة فأنت قصة نضال وحياة، تمنيت لو أن الدموع تكتب لربما استطعت أن أنقل بين هذه السطور الدموع التي سقطت مني وأنا أكتب عنك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

_, الجزائر, تاريخ
عرض التعليقات
تحميل المزيد